"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

طلب الأمريكان توقعينا على دولار بعد عبورنا المحيط - الحلقة 51

طلب الأمريكان توقعينا على دولار بعد عبورنا المحيط - الحلقة 51
  • ناس - الرياض
  • منذ 6 أشهر, 2 أيام, 18 ساعات, 13 دقائق
  • 05:38 م
  • 0
  • 0
  • 2712
0
يا عمي: أُمراء سعوديون في بلادنا!

وخرج حسن الشامي مثل السهم من معرضه لا يعلم ما الذي يفعل، يريد أن يشتري ما يكرم الوفد به، وطلب منه الأمير فيصل أن يستريح، لأنه إنما جاء للسلام عليه والتعرُّف به، ولكنه لم يسمع وخرج إلى السوق، وقد سأل بالبرتغالية أحد الضباط من هؤلاء؟ فلما أخبره الضباط بأنهم أمراء سعوديون في بلادنا!. وأقبل علينا عشرات ممَّن سمعوا وهم من الجالية العربية في دهشة لا يمكن وصفها في ترحيبٍ عميق، بل إن بعضهم قد تباهى لرؤية العباءة والعقال، فهجم بذراعيه يحتضن الأميرين ودموعه تسيل على خدَّيه.

ولاطف الأمير فيصل الجميع ملاطفة كسب بها قلوبهم، وأصرَّ كل عربي إلاَّ أن ندخل دكانه. ولبَّى الأمير فيصل كل طلب منهم، فلم نكد نخرج من المعرض الكبير إلاَّ وقد تجمهر الصبية والنساء والفتيات وأصحاب الدكاكين، وانضمُّوا في الموكب والأمير فيصل يدخل بنا من دكان إلى دكان ملبياً طلبات أصحاب الدكاكين العرب الذين سارع بعضهم، فجاءوا بالقهوة على عجل، فشربنا القهوة التركية أو الشامية بعد أيام من شربها، وقضينا نحو ساعتين في هذا التجوال كنَّا فيه مغمورين بما غمرنا به أفراد تلك الجالية العربية، بل إن بعضهم قد قدَّم للأمير فيصل بعض أصحاب الحوانيت البرازيليين من جيرانه الذين رجوه أن يدخل معرضهم فلبَّى طلبهم، فغمرت الفرحة الجميع ونحن منهم.

وعُدنا بعد ذلك إلى قواعدنا سالمين فرحين مستبشرين، بأن بداية هذه الرحلة وهي رحلة العمر للجميع كانت على مثل هذه البساطة والمحبة العفوية والأريحية.

وكان برنامج الرحلة أن نغادر ناتال متَّجهين إلى الشمال الغربي من القارَّة الامريكية الجنوبية، إلى مدينة “جورج تاون” عاصمة المستعمرة البريطانية “غيانا”، حيث قضينا بها ليلتنا، وقمنا منها في صباح اليوم التالي نحو مدينة “ميامي” عاصمة ولاية “فلوريدا”.

كان الأمريكيون في تلك السنين يعتبرون جزيرة “كوبا” إحدى جزر الفردوس في البحر الكاريبي الذي سنمرُّ بطائرتنا في أجوائه، وكانوا يقولون لنا: إننا سنمرُّ بكم على حقول البترول في فنزويلا في الطريق إلى كوبا، في الطريق إلى “ميامي”، وإن المناظر ستكون جميلة، وأنه ما دامت عندكم “الظهران” وحقولها البترولية، فنظرة منكم في سماء حقول فنزويلا تعطيكم فكرة عما يجري في هذا الطرف من العالم، بمثل ما يجري في ذلك الطرف من العالم الذي تمثله بلادكم على الخليج العربي، ولهذا ستكون الطائرة منخفضة الارتفاع جدّاً، حيث تشاهدون كل ذلك وستدور بكم الطائرة فوق جزيرة “كوبا” لكي تروا ذلك الفردوس الجميل، وكان هذا هو رأيهم في تلك السنين قبل أن يظهر الزعيم “كاسترو” صديقهم اللدود في ذلك الفردوس، فغيَّروا وجهة نظرهم إلى ذلك الفردوس.

وتمَّ كل ذلك في رحلة اليوم التالي حتى وصلنا إلى مدينة “ميامي”. وذكرياتنا عن ميامي وإقامتنا فيها كذكرياتنا عن كل قرية أو مدينة في الولايات المتحدة الامريكية، مما تسنَّى لنا السماع به أو الإقامة فيه أو التجوُّل عليه، والحديث عنه طويل طويل عسى أن نعود إليه في مكان آخر.

كان الاستقبال في “ميامي” أوَّل استقبالٍ رسمي للوفد في البلاد التي دعاه رئيسها لزيارتها، وكانت فرحتنا فرحة لا نظير لها لما سمعنا ورأينا في تلك البلاد، كان موكب الأميرين أخَّاذاً، وكان الحرس المحيطون به في مثل استقبال الملوك، ووجدنا مندوبي شركة “أرامكو” هناك من أوَّل المرحبين والمستقبلين، أخصُّ منهم صديقي “قيري أوين”، من كبار موظفي الشركة العربية الامريكية، والذي قضى نهاية عمله في شركة أرامكو مندوباً مقيماً في مدينة جدة، حتى تقاعد وعاد إلى بلاده “سان فرانسيسكو”، وتوفَّاه الله هناك منذ بضع عشرة سنة.

وبدأت في “ميامي” الحفلات والزيارات بين كبار موظفي الولاية وبين الوفد، وكانت أخبار هذه الزيارة وصورها تغطي الصحف المحلية في ولاية “فلوريدا”، وتتخطاها إلى “نيويورك” و “واشنطن”، وقد لاحظت أن المظاهر الاجتماعية والترحيبية في تلك الأيام أن يقبل الناس على كل من قطع المحيط جوَّاً، يطلبون منه توقيعه على ورقة دولار أو خمسة أو عشرة أو أكثر، ومن هذه الظاهرة كان الزحام على أعضاء الوفد كبيراً، وكنا نشرع أقلامنا للتوقيع لمن يطلب منَّا ذلك، إذ يرون في عبور المحيط يومئذ بطولة لا تتسنَّى لكثيرٍ من الناس، وعندما تمرُّ هذه الخاطرة بذهني الآن أهزُّ رأسي وأتذكَّر كيف كانت الدنيا منذ نصف قرن، لم تكن في المملكة العربية السعودية طائرة مدنية واحدة، وكيف لم نستطع الوصول إلى أمريكا بسبب الحرب طبعاً إلاَّ بعد أن قمنا بتلك الجولة الطويلة، التي استغرقت أسبوعاً كاملاً: قطعنا فيه “أفريقيا” إلى شمال أمريكا الجنوبية، فإلى جنوب أمريكا الشمالية متجهين إلى واشنطن، وكيف أصبحت الحال الآن تقوم في صباح كل يوم طائرة سعودية جبارة قاطعة ما بين جدة أو الظهران وما بين نيويورك في نصف يوم بدون توقف، ولا يطلب من ركابها أن يوقِّعوا على الدولارات؛ إذ أن هذه العملية قد أصبحت “موضة قديمة”، حتى أنه لا يتذكرها ولا يصدِّقها أحد اليوم.

أمَّا ما وصل إليه بطل الأمة الإسلامية والعربية أمير الفضاء وأميرنا (سلطان بن سلمان) فلو أخبرنا يومئذ بإمكانية وصوله إلى ما وراء الأكوان، ينام فيها ويأكل ويشرب ثم يعود إلى بيته في الرياض بعد ذلك، هذا الخاطر لا يمكن أن يمرَّ في ذهن أيِّ إنسان في تلك الأيام، فالحمد لله ربُّ العالمين، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا. ولنا عودة للسفر من ميامي إلى نيويورك ثم إلى البيت الأبيض في واشنطن نحلُّ ضيوفاً فيه على الرئيس العظيم روزفلت.

نظريات حول العالم الجديد

والآن وقد أصبحنا على أرض ولاية فلوريدا من هذه الولايات المتحدة والمتعدِّدة والمترامية الاطراف على تلك القارَّة المكتشفة حديثاً، بعد معرفة أخواتها القارَّات الأخرى على صعيد هذه الكرة الأرضية، فإننا قد قرأنا وسمعنا ذلك الخلاف المتشعِّب في نظريات المؤرخين عن اكتشاف هذا العالم الجديد، كما سمُّوه ووصفوه. ومن هم المكتشفون؟! وعن أي تاريخ أوَّل اكتشاف أو معرفةٍ لجزءٍ من هذا الجانب من جوانب الارض؟! وإلى أي بلدٍ ينتمي أوائل هؤلاء وروّادهم؟! والنظريات كثيرة ومتباينة، وكلٌّ يدَّعي شرف السبق إلى ما يتنازعه المتنازعون، سواء أقدم أولئك المغاوير من شمال أوروبا من اسكندنافيا، أم من شمال أمريكا الشمالية نفسها، أم من غرب أوروبا، فالادِّعاء متنوع، حتى لقد جاء الدور إلى الفينيقيين العرب المتماوجين في هجراتهم الموغلة في القدم عبر القرون السحيقة، إلى وصولهم إلى جبل طارق قادمين من منابعهم السحيقة في الزمن من شواطىء جنوب الجزيرة العربية من اليمن وحضرموت والخليج العربي، التي بقيت آثارهم فيها ناطقة بما لا جدال فيه إلاَّ لأصحاب الاهواء والاغراض، ثم وثبتهم من تلك المساحة من الجزيرة العربية إلى شواطىء فلسطين وسوريا بما فيها لبنان، ثم إلى الشواطىء المتوسطية على جانبي الشمال والجنوب من ضفتي البحر المتوسط، حتى انتهوا إلى شواطىء إسبانيا الغربية على المحيط الأطلسي (بحر الظلمات). والذي قد يُجمع عليه العلماء أنه في القرن العاشر الميلادي نزل على شاطىء أمريكا الشمالي الشرقي عددٌ من المغامرين، كانوا الطلائع المتفق على سبقهم إلى تلك البلاد. وهذا ما تُجمع عليه النظريات الأمريكية العصرية اليوم.

وأمريكا تتعصَّب لنظرية أن “كريستوفر كولمبس” هو الأول، وأن ذلك كان في عام 1492م، ولم تكن أمريكا مقصد بعثته، وإنما جزر الهند الشرقية، إذ لم يمرَّ له على بال أن هناك شيئاً سيسمَّى أمريكا. وكتب التاريخ العربية تروي حكاية العرب المسلمين المغاوير الذين ركبوا من الاندلس ليعبروا بحر الظلمات، وهو المحيط الأطلسي فيما سمعوا أن قارَّةً مجهولةً تقع على مشارف غربه، وأن أسطولاً عربياً قد قام بتلك المغامرة، ثم لم يُسمع له خبر. ويرجحون أن بعضه قد وصل إلى أمريكا، ويستشهدون بآثار كثيرة متناثرة في أقطار متباعدة من شواطىء أمريكا الشمالية الشرقية وأمريكا الجنوبية، قد وجدت وهي شاهدة على ذلك. ولقد كتب الكاتبون وروى المحدِّثون عن هذا، وذلك مما هو معلوم ومتواتر اليوم في المصادر التاريخية في مكتبات العالم الغربي وفي كل مكان وهو شيء كثير.

ومضت الاعوام وعرف العالم القديم ما سمُّوه بالعالم الجديد (أمريكا). وبدأت الهجرة إليها والمغامرات في عبور المحيط نحوها، وأصبحت الارض معروفة ثم مغمورة بالمغامرين. وعلى مدى مائة عام من معرفة أوروبا لأمريكا نزل أوائل المغامرين الانجليز في ولاية فرجينيا عام 1607م، وقد سبقهم الاسبان في عام 1565م بالنزول في ولاية (فلوريدا)، التي نزلناها نحن في أكتوبر من عام 1943م...

وما كادت أخبار المهاجرين المغامرين الأوروبيين الأوائل يتسامع بها مواطنوهم، حتى استمرَّت الهجرة وبدأ الزحف إلى العالم الجديد، وكان في طلائعه الأوروبيون المضطهدون من الكنائس ومن الحكام المستبدين والمجرمون واللصوص والعاطلون عن العمل ثم التجار الأوائل. ولقد تكسَّرت موجات هؤلاء وأولئك على مدن الشواطىء الشرقية، وكانت قرى ومستعمرات بدأها من سبقهم أو بدأها الهنود الحمر أصحاب الأرض السابقين بالحياة على أديمها وفي أوديتها وصحاريها ومناكبها، وكان السباق على احتلال الارض وبناء القرى والمزارع والمدن فيها أشبه بحرب غارة شعواء من دول أوروبا كلها: إيطاليا وفرنسا وهولندا وانجلترا والبرتغال ودول الشمال وألمانيا، ولم تمض على معرفة كولمبس لتلك البلاد مائتا عام، حتى قامت وتكوَّنت المستعمرات الثلاث عشرة الأولى، التي تكوَّنت منها الولايات الجمهورية الأمريكية الأولى، وهي: نيوهامبشير، ورود ايلند، ونيويورك، وماستشوستس، وكنتكتكت، ونيوجرسي، وبنسلفانيا، ودلواير، وماريلند، وفرجينيا، ونورث كارولينا، وجورجيا.

 



تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=6VBiJ





إضافة تعليق


   8  +   6   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة