"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد #باطرفي

لماذا دخل الملك فيصل ذلك المحل في البرازيل - الحلقة 50

لماذا دخل الملك فيصل ذلك المحل في البرازيل - الحلقة 50
  • ناس - الرياض
  • منذ 6 أشهر, 3 أسابيع, 2 أيام, 12 ساعات, 46 دقائق
  • 11:02 م
  • 0
  • 0
  • 1576
0
طائرة صغيرة

رأى الجنرال معالم القلق عليّ، فسألني فقلت له إنني بحاجة إلى الذهاب إلى بيتي لإصلاح شؤوني، فهل سأذهب في الليل أم تتأخر أنت عن القيام المبكر بالطائرة إلى جدّة؟! والطائرة كانت صغيرة لأرامكو، ولم يكن في الرياض مطار، إنما هي بقعة مختارة من أرض محدودة مستوية هبطت عليها الطائرة.

قال لي الجنرال “جايلز”: ما عليك من سفرنا المبكر اذهب صباحاً، وأنْهِ أعمالك وسأنتظرك. حملنا في الطائرة الهدايا “الغزلان” وتوجهنا في أكثر من خمس ساعات إلى جدّة، وبعد أن سافر الجنرال منها توجهت إلى الطائف، فذهبت إلى الأمير فيصل مسلّماً، فوجدت أن كل شيء مجهز لابتداء الرحلة.

أخذت ثلاث عباءات مختلفة الألوان من إدارة المالية، سلّمني إياها الأستاذ ابن بطاح، ولم تكن عهدة إنما كانت هدية – والعهدة في عرف السعودية هي ما تعطى عارية مرجعة، بعد ذلك، أمّا هذه فهدية من الأمير فيصل، ومعها مجموعة من الثياب والكوافي والغتر، و “جزمتان” وجدناهما في أسواق الطائف بصعوبة لائقة بعبورهما المحيط إلى بلاد “كولمبس”. وحان يوم السفر فتوجهت مع الأميرين فيصل وخالد إلى جدّة ومعهما الشيخ إبراهيم السليمان، ومرافقاهما الأخوان مرزوق بن ريحان، ومحمد الشريف. وجاء موعد يوم السفر، ووصلت إلى مطار جدّة في ضحى ذلك اليوم الذي كنّا قد وصلنا فيه إلى المطار طائرة من طراز “داكوتا”، ما لبثت أن هبطت في المكان المختار لها أمام سرادق الاستقبال الذي يتصدّره الأميران فيصل وخالد، وحيث تجمّع ممثلو الدول الأجنبية وأعيان البلاد وكبار القادة العسكريين ومشايخ القبائل لتوديع الأميرين الكريمين.

وأتذكر أن الطائرة عندما فتح بابها وخرج منها ضابط أمريكي طويل جذاب، ما لبث أن توجّه إلى الجماهير المجتمعة حول الطائرة، وعلى مسمع ممن في السرادق، رفع صوته قائلاً: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، فصفق المجتمعون، لتحيته، وتوجه حوله رفاقه إلى السلام على الأميرين فيصل وخالد وهما في السرادق، وقدّم نفسه بأنه الضابط المقدم خليل التميمي، وأنه لبناني الأصل مهاجر إلى فلوريداً بأمريكا وفرقته العسكرية في السودان، وأنه منتدب لمصاحبته الوفد من جدّة حتى واشنطن، وأن الطائرة جاهزة الآن للمغادرة إذا أمر الضيفان الكريمان.

وتوجّه الأميران إلى الطائرة مودّعين من الجماهير وكنت بالطبع معهما...

الشيخ حافظ وهبه لم يستطع المجيء إلى جدة من مقرّ عمله في المفوضية السعودية في لندن لظروف الحرب، فرتّب له ترتيب يركب به طائرة إنجليزية إلى الخرطوم، ليكون في استقبال الأميرين هناك ومصاحبتهما بعد ذلك في الرحلة كلها.

وقامت الطائرة بالأميرين ومن معهما. وأتذكّر جيداً وقد مضى على هذا الحادث ما يقرب من النصف قرن، كيف كانت بداية الطيران ووجهتها من جدة إلى الخرطوم، ثم بعد ذلك في مساء اليوم الذي ستصل فيه الخرطوم نذهب إلى ساحل الذهب على ساحل المحيط الأطلسي الشرقي إلى مدينة “أكرا” عاصمة ما يسمّى اليوم جمهورية “غانا” بعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني لها.

رحلة شاقة

ووصلنا ظهراً إلى الخرطوم، فاستقبلنا من قبل الوحدة العسكرية الأمريكية العاملة هناك ومعهم ضابط إنجليزي، وكان الغداء والاستراحة في ذلك اليوم فيما يسمى بكلية “غوردون”. وفي منتصف الليل وصل الشيخ حافظ وهبه، وقامت بنا طائرتنا على عاصمة “غانا”، وكانت مستعمرة بريطانية، فنزل الأميران في دار الحاكم الإنجليزي بها، ثم رتّبت للوفد طائرة مما يسمى بـ “سكاي ماستر” ذات المحرّكات الأربعة، عبرت بنا المحيط الأطلسي متّجهة إلى جزيرة صغيرة، تكاد أن تكون مجهولة في قلب المحيط تسمّى “السنشين ايلاند”، أو “جزيرة الأمل”، تكاد أن تكون من مجموعة جزر “سانت هيلانا” في ذلك المحيط، وهي جزيرة بركانية مقفرة لا توجد فيها شجرة واحدة في ذلك الوقت، أعارها الإنجليز لأمريكا لتقيم فيها قاعدة جوية وبحرية تشارك في مجهود الحرب الثانية. ولهذا وجدنا الحاكم الإنجليزي في المطار الذي لم ينته إنشاؤه بعد، وحوله نحو الثلاثين ضابطاً أمريكياً ممن استأجروا القاعدة في الجزيرة كلّها، وكانت الرحلة إليها شاقّة، ولم يكن هناك سبيل للوصول إلى أمريكا بغير هذه الطريقة، ذلك أن الطائرات في تلك الأيام لم تكن تستطيع عبور المحيط بدون وجود قاعدة تموين للوقود، وشمال الأطلسي يومئذ ميدان للغواصات وقوافل التموين والأساطيل والطائرات الحربية، كان هذا في نهاية شتاء 1943م.

توجهنا في مجموعة من سيارات الجيب من الطراز المعروف المخترع أيام الحرب، حتى ذهبنا إلى جبل مشرف على الجزيرة، التي لا يوجد بها سكان غير حاكمها وزوجته وموظف البريد، الذي يأتي للجزيرة مرّة في كل شهر تقريباً، والذي يموّنهم بالماء والخضار.

أتذكر زوجة الحاكم الكبير عندما أقبلنا على بيتها المطل على مشارف المحيط، وهي تشير إلى الشجرة الوحيدة التي غرستها منذ قذف بها سوء حظها وسوء حظ زوجها الصابر المطيع لتولي منصب حاكم هذه الجزيرة، وتقول للأميرين: انظرا، انظر كيف أننا محظوظون بهذه الشجرة التي غرسناها وأوصينا بها إحدى سفن البريد الشهرية منذ سنوات، كيف أصبحت دوحة وارفة الظلال نشرب الشاي في ظلالها ونغتبط لمرآها.

بعد تناول الإفطار استؤنفت الرحلة على الطائرة نفسها إلى أقرب نقطة في أمريكا الجنوبية في النصف الثاني من المحيط الأطلسي، وكانت تلك النقطة هي مدينة برازيلية مشهورة في مقاطعة “ناتال”. فهبطنا فيها وقضينا ليلة نعمنا فيها بالراحة والهدوء، وكان الوفد في ضيافة الجيش الأمريكي أيضاً الموجود في كل مكان أثناء الحرب.

السلام عليكم في البرازيل

أخذونا في عصر اليوم الثاني لزيارة مدينة “ناتال” وأسواقها، فتجوّلنا في سيارتين تحفّ بهما “جيوب” الجيش الأمريكي.

ولمح الأمير فيصل وهو يطل من نافذة السيارة ويشاهد جوانب أكبر شارع موجود في تلك المدينة، رأى لوحة كبيرة مكتوبة باللغة العربية “معرض حسن الشامي”. فقال للمرافقين: يظهر أن هنا جالية عربية نودّ أن نرى صاحب هذا المعرض وأن نتجوّل على أقدامنا في الشارع، ونتعرّف على معالم الحياة في هذا الجزء النائي من شمال البرازيل. ووقف موكب السيارات فجأة أمام معرض حسن الشامي، وخرج الأميران ونحن معهما، وكلّنا بالملابس العربية يحفّ بنا مرافقون في بدلاتهم العسكرية، وفوجىء السيد حسن الشامي بهذا الوفد يدخل عليه فجأة في قلب معرضه، وكاد الرجل أن يزوغ بصره، وقد بهت لما رأى ورفع يديه لا يعلم ما يقول، فقد عرف أنهم عرب من الجزيرة، ولكن من هُم؟ ولم يستطع أن يتذكّر كلمة ترحيب عربية واحدة.

أخذ يتكلّم بالبرتغالية، لغة البرازيل، مخلوطة بأهلاً وسهلاً، و “يا عمي مين انتو”؟ وصافحه الأمير فيصل وهو يقول له: “السلام عليكم”. فأخذ يردّد: “من أنتم يا عمي”؟ فقال الأمير فيصل: نحن من إخوانكم السعوديين، فصاح: (أهلاً وسهلاً! من بلاد ابن سعود؟) فجاء جواب الأمير فيصل: نعم نحن من بلاد ابن سعود! وأشرق وجه الرجل وأقبلت زوجته من ركن من أركان المعرض في مثل دهشة وارتباك زوجها، وهي مثله تتكلّم العربية وهم أسرة من الشام هاجروا منذ ربع قرن إلى هذه البقعة المشرفة على المحيط من بلاد البرازيل.



تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=ucOwt





إضافة تعليق


   0  +   9   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة