"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

رسالة الملك إلى روزفلت - الحلقة 49

رسالة الملك إلى روزفلت - الحلقة 49
  • ناس - الرياض
  • منذ 6 أشهر, 4 أسابيع, 1 يوم, 19 ساعات, 2 دقائق
  • 04:48 م
  • 0
  • 0
  • 2335
0

برقية عاجلة بالشفرة

بعد أن فرغت أنا من عرض أوراقي وقراءتها، وانتهى ما كان يجري في المجلس من بحث ومداولة، أمر الملك عبد العزيز رئيس البرقيات الشيخ محمد بن دغيثر أن يكتب برقية مستعجلة بالشفرة أملاها بصوته الجهوري الذي كان هؤلاء جميعاً يستمعون إليه.

البرقية هذه كانت من جلالته لنائبه في الحجاز الأمير “الملك” فيصل بن عبد العزيز يقول له فيها: سيتوجه إليكم غداً بطائرة “أرامكو” (إذ لا طائرات لدى المملكة السعودية حينئذ) الجنرال “جايلز” القائد العام لقوات الشرق الأوسط (في تلك السنة التي كانت إحدى سنين الحرب العالمية الثانية الطاحنة)، وهو في طريقه بعد زيارته لنا في الرياض إلى مقرّ قيادته في القاهرة، فأجروا اللازم كما ترون في الترحيب به وإكرامه، (قف)، سيكون معه عبد الله بلخير ليصاحبكم في زيارتكم لأمريكا مترجماً ومرافقاً.

فوجئت وأنا أسمع ما أملاه الملك وما أبرق به إلى نائبه في مكّة المكرمة، كما فوجىء الآخرون، إذ لم يدر لي في خاطر أنني سأحظى بهذا الشرف من جلالته باختياري لمصاحبة الأمير فيصل والأمير خالد في رحلتهما التاريخية هذه.

وكان سروري بما سمعت لا يوصف، علمت بعد ذلك أن الرئيس روزفلت في ذلك العام 1943م، وقد طغى طوفان الزحف الألماني والإيطالي على جميع أقطار أوروبا الشرقية والغربية، وعلى روسيا بالذات، بحيث تجاوز غربها نحو شرقها نحو العاصمة موسكو من جهة ونحو الهدف الأبعد لأطماع هتلر، وهو حقول البترول في “القفقاس”، وأن المعارك تدور على مشارف البحر الأسود، ومنطقة القرم وشبه جزيرة “كرش” للإحاطة بها والالتفاف حولها والاستيلاء على حقول البترول فيها، والوصول إلى مدينة “باكو” عاصمة أذربيجان الروسية، للانحدار من هناك بعد ذلك نحو مشارف الشرق الأوسط، والالتفاف بتركيا والإطلال على إيران وعلى العراق والوصول إلى الخليج العربي.

دعوة ملحة من روزفلت

لقد اتّضحت للرئيس روزفلت ومستشاريه، وهم يخوضون الحرب مع حلفائهم الإنجليز والإفرنسيين، موجة الغزو هذه وأهدافها ومراميها، لذلك قرّروا أن يتعرّفوا على ملوك وزعماء منطقة الشرق الأوسط، حيث أن شمال إفريقيا بأسره قد أصبح ميداناً لمعارك منقطعة النظير، تمتدّ من مشارف المحيط الأطلسي في المغرب الأقصى طاوية المغرب نفسه والجزائر وتونس وما يسمّى “ببرقة” و “طرابلس” حتى “العَلَمين” على نحو خمسين كيلو متراً من الإسكندرية.

ويريد الرئيس روزفلت حينئذ التعرّف على شخصية أقوى حاكم في العالم العربي عبد العزيز بن سعود، فوجّه إليه دعوة ملحة أن يشد الرحال إلى “واشنطن”، ليتعرّف كل واحد من روزفلت وعبد العزيز بصاحبه، وليبحثا معاً الطوفان المتدفق من أوروبا على مشارف الشرق الأوسط وعلى قلبه، ويعتذر الرئيس روزفلت من الملك عبد العزيز في عدم استطاعته ترك القيادة العظمى التي يديرها من البيت الأبيض بواشنطن وتتخطّى مسؤولياته فيها الشرق والغرب، لذلك فقد تكون ظروف الملك عبد العزيز تسمح له بأن يكون هو الزائر. وجاء الجواب من الملك عبد العزيز سريعاً بشكر الرئيس روزفلت على دعوته التي قبلها منه ورحّب بها، وباعتذاره الشخصي عن عدم القيام بهذه الرحلة، نظراً لأنه لا يرغب أن يكون بعيداً عن مجرى الحرب التي تحيط ببلاده وبالعالم العربي الذي يهمّه أمره ومصيره ومستقبله، ولكنه سينيب عنه وفداً برئاسة ابنيه فيصل وخالد اللذين سيؤدّيان المهمة التي يرغب الرئيس روزفلت بحثها معهما، وسيحملان إليه وجهة نظر والدهما الملك عبد العزيز في تطوّر الحرب ونتائجها، كما سيستمعان منه لما يفضي به إليهما ليحملاه إلى الملك عبد العزيز.

برنامج الزيارة

وهكذا تولّت المفوضية الأمريكية في جدّة بالتنسيق مع وزارة الخارجية السعودية فيها وضع برنامج هذا الوفد الذي يصاحب الأميرين من أعضائه، الشيخ حافظ وهبه الوزير المفوّض للملك عبد العزيز لدى بلاط جلالة الملك جورج السادس ملك بريطانيا، والشيخ إبراهيم السليمان رئيس ديوان الأمير “الملك” فيصل، وعبد الله بلخير المترجم والموظف في الشعبة السياسية بديوان الملك عبد العزيز.

بعد تلك الجلسة التي أشرت إليها في ذلك المساء، وسماعي لاسمي لأوّل مرة بأنني سأكون في الوفد، التفت الملك عبد العزيز يقول لي على سمع من الحاضرين:

اذهب الآن إلى “البديعة”، وهي دار الضيافة التي ينزل فيها الجنرال “جايلز”، واقض الليلة معه لتكون في معيّته إلى جدّة، وتتوجّه منها إلى الطائف حيث يقضي الأمير فيصل الصيف فيها، وستكون معه مترجماً ومرافقاً. واحرص على ذلك، وكان الجواب مني كالعادة: “أطال الله عمر جلالتكم”.

هكذا كانت الأوامر تصدر من الملك عبد العزيز لكل من يوكل إليه مهمة أو يأمره بأمر، فالأمير فيصل في الطائف لا يعلم أنني سأكون في معيّته، وأنا شخصياً لم أبلغ بمثل هذا الأمر قبل تلك الأمسية حتى أستعد للقيام بها، الذي علمت بعد ذلك أنه سيزيد عن ثلاثة شهور أغيب فيها عن بيتي، وقد كنت يومئذ عازباً، وكيف أقضي مصالح بيتي في تلك الليلة بينما الأوامر أن أتوجّه من مجلس الملك إلى دار الضيافة لأقضي الليلة مع الجنرال نستعد للسفر في الصباح إلى جدّة.

هكذا كانت حياتنا، كانت تعبئة عامة واستعداداً كاملاً، لتلقّي أي أمر في أيّ ساعة والمبادرة بتنفيذه والالتزام به، ولقد كنت في الأيام الثلاثة قبل هذا المساء مأموراً من الملك عبد العزيز بأن أرافق الجنرال وأصاحبه في زيارته لجلالة الملك عبد العزيز وفي اجتماعاته معه وفيما يدور بينهما من أحاديث، فأقضي اليوم كلّه غائباً عن بيتي في أداء أعمالي بمكتبي بالديوان، وبعد ذلك مع الجنرال في قصر الضيافة، وكان الملك في إحدى جلساته مع الجنرال قد سمع منه استفساراً عن أنواع “الغزلان” التي تشتهر بها نجد والجزيرة العربية، فقال له الملك بعض المعلومات عنها وعن صيدها، وأنه سيهدي إليه عدداً منها ليصحبها معه إلى مزرعته في أمريكا ويشرف على تربيتها.

ولهذا فقد تسلّمها في اليوم الثاني وسرّ بها الجنرال سروراً عظيماً، واختيرت من أنواع مختلفة، ومن مناطق متباعدة في المملكة، منها الجبال ومنها الصحاري والقفار، وقال لي الجنرال: حبذا لو أجد خبيراً يعطيني معلومات عن غذائها وشرابها، وما تعوّدت عليه في مسارحها ورمالها وجبالها، حتى نستطيع أن نؤلّف لها ما يشابه محيطها الذي تعيش فيه، وأخبرت الملك بذلك فأمر أحد خبراء البادية في الصيد والقنص أن يذهب معي إلى الجنرال، وأن يخبره بما يريد، فقضينا ساعة كاملة في فناء دار الضيافة، وقد جاؤوا بأنواع من العلف لتلك الحيوانات، وأخذ الجنرال أوراقاً بدأ يوجه فيها أسئلة يجيب عنها الخبير، وقضينا اليوم على هذا النحو، ذلك قبل أن أعرف أنني سأصاحبه في رحلته، وعندما عدت إلى الجنرال تنفيذاً لأمر الملك خوفاً من أن يتصل به هاتفياً في أوائل الليل فلا يجدني، كنت في قلق كيف أفعل ببيتي وفيه خادم لي لا بدّ أن أصرفه، وفيه ما يجب أن أرتّبه في البيت قبل إغلاقه، والبعد عنه، أمّا الملابس فقد عرفت أنني سأتحصل عليها من وزارة المالية في الطائف، ولكن بقي البئر الذي في البيت وله دلوان معلّقان بعجلة “محالة” ترتفع في فوهة البئر، يجرّ الدلوين نازح الماء من البئر كل يوم، فلا بدّ حينئذ أن تطوي حبال الدلاء وأن نعلّقهما بعيداً عن الأرض حتى لا تأكلهما الفئران، ثم عليّ أن أفرغ القربة التي كانت في البيت معلّقة ومملوءة بالماء، وأن أطويها وألفّها بحبل وأعلّقها أيضاً بالجدار في وتد معمول لمثل هذا العمل، أيضاً حتى لا تأكلها الفئران، وأن أبعد صفيحة الغاز الذي نسرج منه السراج الوحيد في البيت الذي أتجوّل به في الليل مصعداً ومنحدراً كغيري من سكان الحي، وهو من أرقى أحياء الرياض في ذلك الحين.


تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=CgWxi





إضافة تعليق


   8  +   1   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة