"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

بر الملك بوالده - الحلقة 48

بر  الملك بوالده - الحلقة 48
  • ناس - الرياض
  • منذ 7 أشهر, 1 أسبوع, 2 ساعات, 51 دقائق
  • 10:28 م
  • 0
  • 0
  • 2235
0

أدب بالغ

خرج الجميع منه للانصراف إلى منازلهم ويتقدّمهم الإمام عبد الرحمن، فلما قرّبوا الحصان ليركبه بادر الملك عبد العزيز فتقدم إلى سايسه واستلم منه مقوده وقرّبه بنفسه إلى والده، ثم بقي واقفاً على هذه الحال في أدب بالغ ريثما ودع الإمام من حفوا به، فلما همّ الإمام باعتلاء صهوته، انحنى الملك عبد العزيز ليجعل من كتفه ما يضع عليه والده قدمه، ليعتلي به على الحصان وهكذا كان، فكان لهذا الحادث أثره العميق فيمَنْ حضر.

ويواصل الأمير مساعد كلامه في الاستدلال على برّ الملك عبد العزيز بوالده، فيقول: كان يخرج في كل صباح من قصره المعروف في ميدان “الصفاة” في قلب مدينة الرياض ماشياً على قدميه إلى القصر الذي يسكنه والده الإمام، فإذا وصل إلى باب قصر أبيه وقف أو جلس، ثم أرسل من يستأذن له في الصعود إلى مجلسه للسلام عليه. وربما يطول وقوفه بالباب منتظراً مجيء الإذن له، فيجلس حينئذ على “حبس” دكة في مدخل القصر مطلي بالجص المعروف، ويسند ظهره به، فإذا جاءه الإذن قام فنفض عباءته السوداء أو البنية من الجص العالق بها مسرعاً في الصعود، بينما لا يزال الجص يتطاير من عباءته، فيقبل يدي الإمام، ويجلس بعيداً عنه بجوار الباب بينما يكون المجلس في بعض الأيام مملوءاً بمن قدموا للسلام على أبيه.

وهكذا كان دأبه في كل مجلس يحضره وفيه والده. لا يجلس إلاّ في طرف المجلس بجوار الباب، ولا يتكلّم إلاّ مستأذناً، فإذا تكلّم غضّ صوته في أدب عجيب ورجولة مشرقة وبيان حازم أخّاذ.

والملك عبد العزيز تهزّه الأريحية لسماع الأحدوثة الإنسانية العميقة النبيلة وتستهويه وتثير إنسانيته. أتذكر يوم توجه للقاء الرئيسين (روزفلت) و (تشرشل) في مصر.

وكان الرئيس روزفلت قد بعث إلى جدّة مدمرة حربية أمريكية لتقلّ الملك إلى البحيرات المرة في قناة السويس، ثم اجتمع بعد ذلك بالمستر “تشرشل” في واحة الفيوم. وفي عودته وضع المستر تشرشل مدمرة بريطانية تنقله من ميناء السويس إلى جدة في عودته من تلك الاجتماعات.

وفي المدمرة البريطانية قسمت غرف الضباط على كبار من كانوا في معيّة الملك، وجعلوا في كل غرفة ذات أسرّة أربعة، أربعة رجال، وكنت في إحداهما مع الشيخين المستشارين خالد أبي الوليد القرقوني وبشير السعداوي، فكان جندي من بحارة المدمرة موكلاً بشؤون من في الغرفة، وكان على جانب من الطيبة والبساطة والمرح.

فسأله الشيخ بشير السعداوي، وقد جلس معنا، ما هو أحب شيء إليك إذا عدت إلى انجلترا في إجازة ترى أن فيه السعادة التي تتمناها؟

ففكّر البحار البريطاني هنيهة ثم قال: لعلّ من أسعد لحظاتي حينئذ أن آخذ زوجتي وأولادي في نزهة في شارع أكسفورد بلندن، فنجلس في أحد مشارب الشاهي المحترمة، ولا شاهي فيها هذه الأيام، فيطلب الأولاد أن يتناولوا من أنواع الحلوى ما قد يوجد هناك، فيكون في جيبي حينئذ ما أستطيع أن أشتري لهم به ما تمنّوه واشتهوه، وأن ترى زوجتي ونحن نمر بعد ذلك على معارض الملابس في الواجهات الزجاجية في أكبر محلات الأزياء (فستاناً) أو معطفاً بديعاً، فتقف تنظر إليه فأسألها عمّا لفت نظرها هناك، فتشير إليه وتقول لي إنها قطعة ممتازة، فأجذبها من ذراعها وأدخل بها إلى ذلك المحل وأفاجئها بشراء ما استحسنت، وأجد في جيبي حينئذ ما أحقّق به أمنيتها ورغبتها، ثم أخرج وقد تأبّطت ذراعها أحمل لها ما اشتريناه ونعود إلى منزلنا في سعادة وهناء.

ولقد أعجبنا واستحسنا من ذلك الجندي البسيط هذا الإحساس المرهف العميق، فلما جاء وقت جلوس مجلس الملك عبد العزيز في بهو المدمرة وجلسنا، قصّ الشيخ السعداوي خبر الجندي وأمنياته على الملك، فاهتزّ - رحمه الله - لما سمع وأعجب بأريحية ذلك الجندي وبشعوره الفياض نحو زوجته وأولاده، وأمرني أن أستدعيه في الحال ففعلت، وأسقط في يد البحار وارتبك ولم يصدق أن الملك يدعوه للاجتماع به.

وسألني في بساطة: هل هذا ما يريده صاحب الجلالة حقاً؟ فقلت له: نعم. فقال: وهل يجب أن ألبّي بدون استئذان من ربان المدمرة؟ فقلت له: نعم، فقال ولا يزال مرتبكاً حائراً: الحقيقة أنني لم أجتمع بملك ولا أعرف كيف يخاطب الملوك ولا أدري كيف أتصرّف الآن. فقلت له: تعالَ معي والأمر كلّه بسيط وسترى بساطته هناك.

فقال لي: وهل أذهب هكذا بالقميص بدون “جاكتة”؟ فقلت له: نعم، فقال لي: إن هذا لا يجوز في تقاليدنا الإنجليزية. فقلت له: هو جائز في تقاليدنا العربية. ثم جذبت يده وتوجّهت به إلى حيث يجلس الملك. فاستقبله استقبالاً ودّياً متهلّل الأسارير، ثم أمره بالجلوس على الكرسي المجاور لجلالته، فاضطرب الرجل ولم يدرِ كيف يتصرّف.

فهمست في أذنه: اجلس حيث أمرك الملك، ففعل.

واستدعى الملك صانع القهوة كالعادة، فشرب وشرب الحاضرون وبينهم الضيف، وهنا جاءت الطامة الكبرى على الرجل عندما أقبل قائد المدمرة لتناول القهوة والشاهي مع الملك حسب العادة خلال تلك الرحلة عصر كل يوم، فوثب الجندي مذعوراً من دخول رئيسه وهو يؤدّي له التحية على تلك الحال، ودهش الربان مما رأى وضحك الملك، وهو يقول للربان: لقد دعونا الأخ لتناول الشاهي والقهوة معنا، حتى نسمع منه ما قصّه علينا الأخ بشير مما سمعه منه.

وأمرني الملك أن أقصّ على الربان حديث البحار معنا، ثم أمر له بمبلغ من المال جاءوا به، فاستلمه الملك بيده من حامله، ثم مال على الجندي في جواره ومدّ يده به إليه، وهو يقول له: خذ هذه الهدية حتى تشتري للأولاد ولأمهم ما يشتهون إذا عدت إليهم إن شاء الله.

وارتبك البحار، كيف يتسلّم الهدية؟ وكنت أترجم له وللربان حديث الملك، فأمره الربان بأن يتقبّل الهدية شاكراً، ففعل وقام منصرفاً تكاد أن تتعثر به خطاه من الحياء والفرح والحبور.

ولم تسع الدنيا صاحبنا وهو منطلق نحو رفاقه البحارة مملوء اليدين بالهدية الملكية، وكانوا قد استمعوا بأن الملك قد استدعاه ليتناول معه القهوة والشاهي، فلم يصدقوا ما رأوه وسمعوه وتجمّعوا حوله يسألونه عمّا جرى وهو يصيح فيهم ولا يستطيع ضبط أعصابه من الانفعال ويقول لهم: انظروا لقد سلّمها الملك لي بيده أمام الربان وأمرني الربان أن أتقبّلها، وأن أشكر جلالته عليها، ولقد أسقط في يدي فلم أعرف كيف أشكر ولا ماذا يجب عليّ أن أقول، لم أصدق أنني بما قلته عفواً وبدون روية سأنال كل هذا الشرف في هذا اليوم.

وعندما وصل الملك إلى ميناء جدة واستقبلته الجماهير الزاهرة في عرض البحر بزوارقها وأهازيجها وأحاطوا بالمدمرة، نزل الملك إلى الزورق البخاري الذي أقلّه إلى الميناء، وكان قادة وضباط المدمرة وجميع بحارتها في وقفة تحية وداع واستعداد كامل، وكان البحار بينهم يؤدّي التحية معهم في تأثّر بالغ ظهر على أسارير وجهه، وحمله على أن يلوح بيده للملك، فبادله الملك الإشارة بمثلها وهو يبتسم فقد عرف أنها من البحار الطيّب المرح.

على بئر رماح

وأتذكر قصة أخرى هزّت الملك عبد العزيز وأثارت أريحيته ونشوته. فقد خرج في موكبه نحو روضة “الرمحية” المعروفة على أطراف الدهناء في مقناص من مقانيصه، وكنّا في معيّته وداهمنا الليل تحت “عقبة بويب” في طريقنا خلف الملك نحو مورد الماء المشهور (رماح)، فبتنا حيث داهمنا الظلام لأن “بطارية” سيارتنا كانت ضعيفة ولا أمل لنا بالسير بها في ذلك الليل، وأصبحنا مع الفجر نصلح أمورنا ونؤدّي أعمالنا بالاستماع إلى الإذاعات الصباحية العالمية ونسجّلها بكتابتها.

ثم مشينا بعد طلوع الشمس، فإذا بنا على بئر (رماح) ونحن بحاجة إلى ملء قربنا من الماء استعداداً للرحلة نحو مخيم الملك في الرمحية.

ولقد بتّ على الطوى لم أذق منذ خرجنا من الرياض بالأمس ما يذهب عني الجوع. فلما وصلنا مورد الماء في رماح وقد التفّ حوله وتزاحم عليه رعاة الإبل والغنم، قلت: لا بدّ أن أجد لي ما ينقدني من الجوع الذي كان يعصر بطني، وتوجهت إلى شابة بدوية راعية كانت قد انتهت من سقي غنمها من البئر، وهي تعدها وتتهيّأ للعودة بها نحو خيام أهلها المضروبة بعيداً عن رماح. فسلّمت عليها فردّت السلام، فقلت لها: هل لك أن تبيعيني ملء غضارتك هذه لبناً حليباً من غنمك ففأجاها السؤال، وكنت قد أخرجت لها من جيبي ريالاً من الفضّة مددت به يدي إليها.

فارتبكت ثم قالت لي بلهجتها البدوية الذربة: “والله حنّا ما نبيع اللبن”. فقلت لها: إذاً كيف السبيل إليه؟ ففكرت بضع ثوان ثم رفعت رأسها إليّ وهي تقول: “أنا أعلمك، حنا ما نبيع اللبن، مير أنت تهدينا الدراهم وحنا نهديك اللبن”، قالتها في أنفة وحياء وطيبة.

فقلت لها: قبلت. فأخذت غضارتها ووقفت تنظر إلى غنمها تتخيّر منها ما يكون لبنها غزيراً، ثم غسلت الغضارة وتقدمت إلى شاة أخذت تحلبها وتملأ بحليبها الوعاء.

فلما امتلأ وكاد أن يفيض مدّته إليّ وهي جالسة فتناولته وبدأت أعبّه عباً... وهو لا يزال يفور برغوته تتماوج طافحة دافئة لذيذة، حتى شبعت شبعاً زاد على ما أحتمل بشوقي الشديد إلى مثله على الجوع في مثل ذلك المكان.

ثم أرجعت للراعية الغضارة ومددت لها الريال، فقبضته بيمينها ثم قامت آخذة قربة مائها على كتفها وأوعية سقياها على رأسها، وصاحت في غنمها تسوقها أمامها متجهة إلى خيام أهلها المضروبة على مدّ النظر من مورد رماح.

• في نهاية فصل الشتاء عام 1943م، وفي ليلة من ليالي ذلك الفصل، حيث تعوّدت أن أجيء بأوراقي التي أحضرها لعرضها على المرحوم الملك عبد العزيز مع زملائي المشاركين لي في أداء مثل هذه المهمة، حيث كنّا في فترة المساء التي يجلس فيها الملك بعد صلاة العشاء من مساء كل ليلة، أي حوالي الساعة الثامنة. نجيء فنجد أن الجلسة المسائية الخاصة قد عقدت، وحول الملك الأمير عبد الله بن عبد الرحمن أخوه وابنه وولي عهده الأمير “الملك” سعود، ثم كبار مستشاريه، وهم المشايخ بشير السعداوي وخالد القرقوني، وهما من مجاهدي ليبيا الذين شاركوا وخاضوا المعارك لصدّ الهجوم الإيطالي على ليبيا المسمّاة “طرابلس الغرب”. في تلك الأيام في عام 1911، 1912م، واللذان كانا من أبرز الوجوه العثمانية في تلك الحقبة من الزمن في تلك البلاد، وبينهم أيضاً الشيخ يوسف ياسين، والأستاذ رشدي ملحس، ثم يجيء بعد ذلك رؤساء شعب الديوان الملكي بينهم الشيخ محمد بن سعود الدغيثر، والشيخ عبد الله التويجري، وقد يحضر الجلسة غيرهم. ثم نجيء نحن موظفي الشعبة السياسية: الأستاذ طاهر رضوان المندوب السعودي الدائم لدى الجامعة العربية في تونس اليوم، ثم مسجلو وكتاب الإذاعات العالمية الأساتذة: عبد العزيز الماجد، وعبد الله بلخير، وأحمد عبد الجبار، وعلي النفيسي، وعبد الله البسام، وعبد الله بن سلطان، ويقوم كل واحد من هؤلاء في تلك الجلسة بعرض عمله على مسمع وأنظار المرحوم الملك عبد العزيز، ويستمعون كلّهم لما يقرأ وما يعرض من أحوال الساعة في الأمور الخارجية والداخلية من البلاد.

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=Zudu1





إضافة تعليق


   4  +   1   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة