"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

هذا ما عرفته عن الملك عبدالعزيز - الحلقة 47

هذا ما عرفته عن الملك عبدالعزيز  - الحلقة 47
  • ناس - الرياض
  • منذ 7 أشهر, 2 أسابيع, 2 ساعات, 39 دقائق
  • 10:42 م
  • 0
  • 0
  • 2009
1

من الجوانب الإنسانية لحياة الملك عبد العزيز آل سعود

الحديث عن الملك عبد العزيز وعن الجوانب الإنسانية والخلقية التي حباه الله بها يطول، ويكاد كل جانب من هذه الجوانب أن يسترعي انتباه جميع من عرفوه.

غير أن هذه الجوانب كلها تجيء في خَلقه وخُلقه ممتزجة ومترابطة ومتداخلة، تختلط ألوانها وطيوفها ورُواها بعضها في بعض، فتتشخّص بها معالم شخصيته الباهرة، في جليل الأمور ودقيقها وظاهرها وباطنها، فتتراءى بعد ذلك كاملة المعالم جليّة الأبعاد محدّدة الصفات.

وكل جانب من هذه الجوانب يكاد أن يتميّز ويتّضح ظاهراً جلياً لا يحتاج إلى معاناة في سبر أغواره، فهو مشرق متكامل يكفي أن تستجليه لتقف في الحال عليه.

ولقد كان من حسن حظي في مطلع سير حياتي أن يسوقني القدر على غير سعي مني ولا تفكير إلى ديوان جلالته، لأعمل فيه راصداً ومسجّلاً ومراقباً ومتابعاً أخبار الحرب العالمية الثانية في الدنيا بأسرها، من أجهزة الالتقاط اللاسلكية عبر أجهزة “الراديو”، لأنقل في كل لحظة أنباء كبار الحوادث العالمية وصغارها، ودقيقها وجليلها إلى أسماع الملك عبد العزيز شخصياً، إما بالهاتف وإما إلى سمعه وبصره لتسجيلها مكتوبة باليد، إذ لم تظهر يومئذ آلات التسجيل، لأقرأها بعد ذلك عليه في مجالسه اليومية الثلاثة، صباحاً وعصراً وبعد العشاء.

يحدث ذلك في الحضر والسفر وفي البحر وفي البر وحيثما يكون جلالته ونكون في معيّته وبين يديه. وأنا في كل ذلك واحد من أربعة إخوان ورفاق نقتسم هذه المهمة ونتولاّها ونضطلع بها لنؤدّيها مباشرة للملك خلال سنوات الحرب العالمية الثانية من أوّلها لنهايتها، ثم استمرينا بعد ذلك في القيام بأعباء هذه المهمة.

واستمريت أنا أيضاً في القيام بأعمال أخرى في الشعبة السياسية بديوان جلالته أعرضها كل يوم على أنظاره، ولا يزال أحد أولئك الرفاق الأربعة وهو صديقي وزميلي الشيخ علي بن عبد العزيز النفيسي مستمراً حتى الآن في أداء هذه المهمة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، قام بها للملك عبد العزيز ثم للملك سعود ثم للملك فيصل ثم للملك خالد.

وهكذا عرفت الملك عبد العزيز وعملت في خدمته واتصلت به اتّصالاً مباشراً، عرفت بحكم هذا العمل تلك الشخصية النادرة المثال في تاريخ جزيرتنا العربية منذ أكثر من عشرة قرون... عرفتها معرفة تامة واستمعت إليها وخدمتها في الأسفار والرحلات... وفي الحلِّ وفي الترحال، وعرفتها في بساطتها المتناهية، وعظمتها الزاخرة الباهرة، وفي هدوئها العجيب، وفي طموحها الخلاّق وفي توثّبها للأمور كلها.

كما عرفتها في حبّها وفي غضبها، وفي سكينتها وفي اضطرابها، فظهر لي من كل ما رأيت وسمعت أن شخصية الملك عبد العزيز شخصية متعدّدة الجوانب والصفات، تجمع جوانبها وصفاتها خصالاً نادرة المثال بين الزعماء والرجال في التاريخ.

أبرزها وأجلها الإيمان الواثق بالله ثم بقضائه وقدره، والتوكّل عليه، والإيمان به والخشية منه والتسليم المطلق لما يشاء الله ويختار، كل ذلك في غير تواكل أو اتّكال على أحد، يعمل ليلاً ونهاراً في غير كلل أو ملل أو راحة، لا يضارعه في العمل المستمر أحد من زعماء هذا العصر كلّه بدون مبالغة.

تواضعه الجم وبساطته العظيمة

يجيء بعد ذلك وقبل غيره من جوانب هذه الشخصية القائدة الرائدة، يجيء الخلق الإنساني العميق تزخر به أعماق الرجل وتشعّ به جوانحه، وتفيض في إحساسه المرهف وفي تواضعه الجم وفي بساطته العظيمة، وتتجلّى في صدق لهجته وفي معرفته التامة بقدر نفسه وبحولها وطولها، وضعفها وقوّتها.

ولا يداري في هذا ولا يتظاهر بغير ما جبله الله عليه، حتى لتكاد الجوانب الإنسانية العميقة المتدفِّقة أن تكون أبرز ما تنطوي عليه جوانح صدره وتتحرّك به نياط قلبه.

ومعالم هذه الجوانب عديدة، تظهر في سلوك الرجل وشخصيته وفي أعماق نفسه وحركاته وسكناتها.

ولعلّ ذروة هذه الخصال وأسمى هذه الجوانب الإنسانية في الملك عبد العزيز -رحمه الله- بعد الإيمان بالله والتوكّل عليه برّه النادر بوالديه.

فبرّه بوالده الإمام عبد الرحمن بن فيصل برّ منقطع النظير في برّ الأبناء بآبائهم، لا يذكر أحد أباه بالإجلال والإكبار وبالبر كما يذكر عبد العزيز والده الإمام، ولا تمرّ مناسبة في عمل من أعماله أو في قول من أقواله إلاّ ذكر والده وربط بين قوله وفعله وبين موقف والده منه.

يذكره في مجالسه في كل مناسبة تجيء بالخير. يذكره “بالوالد” أو بـ “الإمام” مترحّماً عليه، فيرفع قدره ويعلي ذكره كأنما يستمدّ منه كل شيء، والذين يحضرون مجالس الملك عبد العزيز –رحمه الله– ويعملون تحت قيادته ويصرّفون شؤون الأعمال بإرشاده وتوجيهه، يسمعون منه هذا، بحيث يقال إنه لا ينافسه منافس في ترديد اسم والده وذكره بكل خير في جميع المناسبات.

كنت أتحدّث مع الأمير مساعد بن عبد الرحمن، وهو أخو الملك عبد العزيز، عن عمق العلاقة بين الملك عبد العزيز ووالده الإمام، وعن البرّ الذي لا يجارى ولا يبارى منه لأبيه في هذه الأزمان، فقال لي: إن الملك عبد العزيز نادر المثال في برّه بأبيه ونحن كلّنا نعلم هذا ونعرفه ولم يستطع أحد أن يجاريه فيه، فقد ذكر لي -والكلام للأمير مساعد- الشيخ إبراهيم الشايقي من خواص موظّفي الإمام عبد الرحمن ثم الملك عبد العزيز بعد موت الإمام، ذكر لي أن الملك عبد العزيز – بعد فتح الرياض واستتباب الأمر له وعودة الحكم لآل سعود، ثم تخلّي الإمام عبد الرحمن عن الأمور كلّها صغيرها وكبيرها وجليلها وبسيطها للملك عبد العزيز – دعا أهل الحلّ والعقد من أمراء وعلماء ورؤساء وقبائل وأعيان الرياض إلى مؤتمر عام، قرّر أن يكون في نخل الشيخ العلامة عبد الله بن المطلب المسمّى “سلطانه” في ضواحي مدينة الرياض.

فحضر الاجتماع المدعوون كلهم وعلى رأسهم الإمام عبد الرحمن، فعرض عليهم الملك عبد العزيز الأحوال المضطربة التي كانت تجري بإثارة من الشريف حسين بن علي على حدود نجد، وذلك قبيل الموقعة الكبيرة التي جرت بعد ذلك في “تربة”... 

يتبع في الأسبوع المقبل

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=MXMTz





إضافة تعليق


   0  +   8   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة