"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

التبشير الأوروبي في أفريقيا - الحلقة 45

التبشير الأوروبي في أفريقيا - الحلقة 45
  • ناس - الرياض
  • منذ 7 أشهر, 4 أسابيع, 8 ساعات, 55 دقائق
  • 04:27 م
  • 0
  • 0
  • 1458
0
البعثات التبشيرية

وكل هذا جرى ويجري أمس واليوم وما بعد اليوم على سمع الدنيا وبصرها، حتى الشعوب الأوروبية المصبوغة في أذهان المسلمين بالمسالمة والعلمانية والحياد وعدم التعصّب للأديان والمذاهب كالسويد والدانمارك وأمثالهما، فلها البعثات التبشيرية بألوانها ومبادئها وأهدافها في السودان، وحتى في أطراف الجزيرة العربية الساحلية باسم البحث عن الآثار وإقامة المتاحف وإنشاء المستشفيات، ومثل ذلك في الصومال وفي الحبشة والأقطار الإفريقية التي كانت تحت نفوذ واستعمار أوروبا كلّها حتى هولندا وبلجيكا.

هذا هو الغزو بأنواعه المشار إليها من فكري وسياسي واقتصادي، ثم خاتمة الخواتم الاستعماري والاحتلالي لا ينكره اليوم منكر إلاّ من أراد التظاهر بالتقدمية والارتقاء الاجتماعي، ليظهر تمدّنه وتسامحه عسى أن يرتفع في عيون الغرب والشرق، وما علم أنه لو انسلخ من جلده وقوميّته ولونه وتخلّى عن دينه ومذهبه وجميع تراثه لما زاد في عيون هؤلاء وأولئك إلاّ ضعة وخسّة وضياعاً، لأن العنصرية العرقية والتفوّق (اللّوني) والتعالي الثقافي الإغريقي والروماني واللاتيني، وهي كلها عند الآخرين قوام الحضارة العصرية العنصرية المتحجّرة على عقدها وتعاليها، وهي مع كل هذا غير منفسحة ولا متفتّحة على الإنسانية السمحة المتآخية على مقوّمات وحقوق الإنسان المترفّعة عن الكره والبغض والحقد، ولا توجد هذه الصفات صافية طاهرة إلاّ في الإسلام. يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم، ولا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى، لأن الله لا ينظر إلى صور البشر ولكن إلى قلوبهم وإلى أعمالهم. وكل هذا هو معيار الرقي في الإسلام، ومقياس الحضارة الإنسانية في تعاليمه. ولمثل هذا فليتنافس المتنافسون، ولو تنافسوا في مثل هذه المُثُل وعلى مثل هذه الميادين والشعارات قولاً وعملاً، بل لو أن العمل كان قبل القول لما احتجنا إلى مؤتمرات الشرق والغرب، لنزع السلاح والحدّ منه والتخلّص من قيامة قيامته وهي آتية لا شكّ فيها ولا ريب، حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهَلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغنَ بِالأَمْسِ.

في آخر هذا الإنذار هو واقع الحياة اليوم وغداً، ما دام زمام الحياة بأسرها في أيدٍ جبّارة لا يحكمها عقل ولا خلق ولا وازع إنساني ولا شعور أخوي نحو بني البشر وهم سكان العالم بأسره، بل إن الصراع كلّه عبر الدهور وتوالي العصور هو على إنشاء وبناء إمبراطوريّات استعمارية، يسحق القائمون عليها كل من يخالفهم ولا يدين بدينهم ولا يستحسن مذاهبهم ومللهم.

يتشدقون بالدعوة لحقوق الإنسان

ولا يغرنّك تشدّقهم بالإيمان بالله أو بالدعوة إلى حقوق الإنسان، أو إلى الأخلاق، فهم لا يؤمنون بشيء من هذا ولا يحبون الانتماء إليه أو العمل به، فهم بريئون مما يدعون. وحقوق الإنسان هذه التي ينادون بها ويضحكون بها على الشعوب الساذجة، هذا الإنسان من هو؟ أهو الإنسان الأوروبي أم الأمريكي أم الروسي أم الصيني؟ كل واحد من هؤلاء لا يعترف بالإنسانية إلاّ لأهله ولشعبه وتابعيه، ويتسلّح هذا التسلّح المخيف للقضاء على الإنسان المقابل له من غير بلاده ومن غير ملّته ومن غير جنسه، بينما دعوة القرآن ونداؤه للبشرية كلّها الأسود والأبيض، وهو شامل تلك الشعوب الطاغية الباغية بأسرها، لا يفرّق بين أحد منها لا في العرق ولا في الدم ولا في اللّون ولا في الأصول أو الجذور، فكلّهم من آدم وآدم من تراب.

وبعد ذلك كلّه، فإن ما تلاقيه الشعوب المسحوقة بقوى الطغيان والبطش والبغي في جميع أنحاء العالم شرقه وغربه وشماله وجنوبه، ثمّ ما تلقاه الأقليات المضطهدة والمستعمرة سواء أكانت من المسلمين أم المسيحيين أم البوذيين أم من غيرهم.. كل هذا لا يليق بالحضارة التي نتغنى بها ونتعالى بما وصلت إليه، فإن هذه الحضارة التي لا تحترم الإنسان، والتي تجعل من قهره وسحقه وسيلة لمآربها المادية، سوف لن تستمر طويلاً على ما هي عليه اليوم بين سمع الدنيا وبصرها، والنذر والإرهاصات والشواهد التي تشير إلى هذه النهاية التي ستأتي على هذا الازدهار الحضاري، الذي أصبحت الدنيا عليه لا تحتاج اليوم إلاّ إلى تعمق مركّز خال عن الأهواء والعصيان، ليظهر للعلماء والمتتبّعين لرقي البشر وتمدنّهم، أن ما نحن فيه اليوم يحمل بين طيّاته جراثيم نهايته وانهياره وتداعيه، وعلماء الغرب المنصفون والمخلصون لعلمهم ولثقافتهم ولأخلاقهم يؤمنون بهذا، ويكتبون عنه وينشرون آراءهم في الصحافة وفي كتب مستقلّة، وهم لا يخرجون في هذا الباب عن الآية الكريمة التي سبقت الإشارة إلى ذكرها، وهي: حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخَرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ.

ولهم القوة

وتدبّر هذه الآية والإمعان في دقَّة وصفها لما وصل العالم إليه اليوم من الحضارة، يدلّ على كل ذلك، فلقد وصل الإنسان في السنوات الأخيرة إلى القمر ومشى عليه وأقام به مدّة طويلة، قام بذلك الغرب وقام به الشرق، والصواريخ وهي معجزات ما وصل إليه الفكر البشري اليوم قد عرفناها وتتبعناها ورأينا منها ما انطلق من الأرض طاوياً الكون الفسيح اللامتناهي، موجّهاً إلى أبعد الكواكب عن النظام الأرضي وكواكبه وما حفّ به والتفّ عليه، وأن أحد هذه الصواريخ أو الأقمار ليمشي السنوات العديدة المتوالية بما لا يدركه الذهن بالأمس ولم يمرّ على خاطر بشر قبل اليوم. بهذا تظنّ القوى المخترعة لهذه الأعاجيب المذهلة والمسيّرة لها والخبيرة بأسرارها وبأسرار ما بعدها، وما تفضي إليه وتؤدي إلى وجوده، إنها قادرة بعد الآن على تسيير الحياة في هذا الكون والتدخّل في مجراه، استعماله في مصلحتها للسيطرة والاستيلاء والتحكّم في مصائر البشر، لو أن جميع هذه المعجزات المذهلة قد احتوت على روح إنسانية أخلاقية عالية لمصلحة البشر وسعادتهم ورفع مستوى الإنسان وازدهار حياته، لأصبحت الحضارة التي أنتجتها وتمخّضت بها وصدرت عنها حياة تشرف الإنسان وتعلي من قدره، وتفسح له مجال الازدهار والرقيّ والنعيم والإخاء والرفاهية، بما يجعل هذا الكون فردوساً مملوءاً بالخير مجرّداً عن الشر مترفّعاً عن البغض والحقد والكراهية والانتقام والتنافس على السيطرة والسحق والمحق، ولكن لله في خلقه شؤون، وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ...

اللقب مراح يعني القائد

و (السلطنة العفرية الإسلامية) التي يدور عليها ما جاء في تلك الرسالة من تعريف، وسلطانها وزعيمها اليوم هو (السلطان علي مراح حنفري)، الذي آلت إليه قيادتها من عائلته وأسلافه، ولقب (مراح) المضاف إلى اسمه هو لقب مشاركه فيه غيره من أهله وهو بمعنى (قائد)، وهو يسري على من يقود غيره للدفاع عن هذه السلطنة، حتى من غير حكامها. وجميع سكان هذه البلاد هم من يسمون (دناكل) وهم (العفر)، وكلهم مسلمون سنّيون شافعيون منتشرون عليها وعلى البلدان العربية المجاورة لهم والمحيطة بهم، ولهم رواق من أروقة الأزهر الشريف يسمى رواق (الدناكل)، له مئات الأعوام، يلتحق به كل من جاء من بلادهم لطلب العلم في الأزهر الشريف. وكانت لهم منذ مئات السنين جموع من طلبة العلم في (هرر) الحبشية، وفي (أسمرة) من أريتريا، وفي (عدن) وفي (زبيد) من اليمن، وفي (حضرموت) عرفوا في جميع هذه البلدان، أما في الحرمين الشريفين فقد كانوا بالألوف وحتى في القدس والشام.

ولهؤلاء العفر اليوم مئات من طلبة العلم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، وفي حرمي مكّة والمدينة، وفي جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض. ولقد انتشر الوعي الإسلامي بهؤلاء وأولئك في بلادهم وفي الجاليات الإسلامية التي يعيشون بينها وحولها. فالصحوة كاسحة للجهل والجمود والتخلّف في الأجيال السابقة لأجيال اليوم في تلك البلدان...

وكما لهؤلاء العفر من نشاط ومشاركة في طلب العلم والثقافة اليوم، فإن لهم اليوم وبالأمس نشاطاً في نشر العلم في كل مكان يهاجرون إليه ويحلّون بين أهله، ولقد أسلم ألوف من القبائل المسيحية والوثنية على أيديهم وبدعوتهم في الحبشة نفسها وفي غيرها من أقطار إفريقيا المجاورة للحبشة، ولهم في جمهورية (جيبوتي) إحدى دول جامعة الدول العربية أفخاذ وفروع، منهم أصبحوا مواطنين فيها ومن أهلها، غير أن صلاتهم بأرضهم (العفر) وبأهلهم فيها قوية لا يتطرّق إليها الوهن والاندماج والانصهار.

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=zD4C3





إضافة تعليق


   0  +   5   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة