"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

ليلة سقوط الولاية ذات الألف مسجد - الحلقة 44

ليلة سقوط الولاية ذات الألف مسجد - الحلقة 44
  • ناس - الرياض
  • منذ 1 سنة, 4 أيام, 5 ساعات, 15 دقائق
  • 01:47 م
  • 0
  • 0
  • 1954
0
الإنجليز يحتلون شواطئ الصومال

واحتلّ الإنجليز شواطىء الصومال المطلّة على البحر الأحمر حتى مدينة هرر في الداخل، وأخرجوا المصريّين من هذه السلطنة، فمحوا بهذا النفوذ المصري، وبذلك تمّ لهم الاستيلاء عليها، وكان الميجر (هنتر) يهدّد كل من عارض الأطماع الإنجليزية في تلك المقاطعات من الصومال والجبرت والأحباش، ويقدّم الرشاوي إليهم ويشيع بينهم الفتنة والبغضاء.

وجاء الإفرنسيون على عجل إلى تلك المنطقة، يطالبون بحصّتهم في تلك الغنائم، فعقدوا معاهدات واتفاقيات مع الرؤساء الجاهلون، بينها ما أبرموه في عام 1862 مع السلطان أبو بكر حول المنطقة المسماة بمنطقة (أوبوح). وبتوالي الأعوام وتوالي الصراع مع بريطانيا ومشايخ القبائل تمّ لفرنسا بسط نفوذها الاستعماري، حتى شمل الساحل كلّه، ودخلت فيه (جيبوتي) وما أحاط بها من بلاد الصومال والدناكل، في عمليات تنافي حقوق الإنسان والأعراف البشرية ومبادئ الشريعة السماوية، وأقبلت بعدها إيطاليا في عقود القرن التاسع عشر وتواليها، فزاحمت بريطانيا وفرنسا وعملت كما عملتا وأكثر، وبعد صراع خفي وآخر ظاهر تمّ لها قيام رأس جسر من مصوع، توغّلت به بعد ذلك شيئاً فشيئاً حتى دخلت أحشاء الحبشة وبين ضلوعها في حروبها الأولى حتى حربها الأخيرة عام 1936 التي استولت بها على ما نعرفه من الحبشة اليوم.

منليك يوحّد بلاد الحبشة

إذا عدنا إلى أواخر القرن التاسع عشر نرى أنه قد تمّ لملوك الحبشة الاستيلاء على الإمارات الإسلامية حولها في صراع مرير خاضه من أباطرتها من سبق (منليك)، ثم جاء هذا فلعب دوراً خطيراً في توحيد البلاد والقضاء على كل من لم يذعن لحكمه وينضم إلى علمه، حتى إذا تمّ له كل ذلك كما أسلفنا. كتب في عام 1887 إلى حاكم عدن البريطاني يخبره بضمّ ولاية هرر الإسلامية إلى ما ضُمّ من بلدان إسلامية أخرى غيرها، وجاء فيما كتبه في رسالته إلى المذكور كما تذكره المصادر الإنجليزية الرسمية: (من منليك ملك شوا) وقبائل (الجالا) الأخيار منهم والأشرار: “كيف حالكم نحن بفضل الله بصحة جيدة، إن الأمير عبد الله المسلم الذي كان لا يقبل أي مسيحي في بلاده قد حاربته بعون الله وانتصرت عليه، ولقد هرب على ظهر جواده فانتهى أمره، ورفعت علمي على عاصمته التي احتلتها جيوشي، وهذه البلاد التي كان يحكمها هي بلادي وليست بلاداً إسلامية، وهذا واقع يعرفه الجميع. فشاركونا في النصر والأفراح”.

وهكذا سقطت ولاية (هرر) ذات الألف مسجد ومئذنة كانت في شرق أفريقيا كما كانت (القيروان) في أواسطها، وكما كانت (فاس) في أقصاها. كانت محجّة للعلم والمعارف وداراً للإسلام وللقرآن، فيها مئات الأربطة لطلبة العلم والزوايا للعبّاد والمدارس للأولاد، يتلقّى فيها الوافدون عليها من أهلها ومن جيرانها القراءة والكتابة العربية، ويحفظون فيها أجزاء القرآن والأحاديث النبويّة عن ظهر قلب، ويقيمون الصلاة بالعشيّ والإبكار.

اندلاع الحرب العالمية الثانية

وهكذا لم تكد العاصمة أديس أبابا يعود إليها هيلاسيلاسي بعد هجرته منها حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية، وتحالفت إيطاليا مع ألمانيا فقامت قيامة الحلفاء ضدّها، ثم سقطتا منهزمتين. واستولت بريطانيا على الحبشة وعلى أريتريا، ثم أعادوا الإمبراطور هيلاسيلاسي من منفاه في لندن إلى بلاده حاكماً مطلق الصلاحية، حتى قامت بعد ذلك الثورة ضدّه من جماهير شعبه، فقُضي عليه فانتهت الإمبراطورية الصورية من الرؤوس ومشايخ القبائل والعرفاء والأمراء التي كان يتصرّف بها ويستبدّ بقدراتها هيلاسيلاسي (أسد يهوذا بمشيئة الله وحفيد سليمان).

منذ القرن الهجري السابع (نحن الآن في السنوات الأولى من القرن الهجري الخامس عشر)، كانت بلاد الحبش تحتوي على سبع إمارات إسلامية متراصّة متجاورة متواصلة، يحكمها أمراء وملوك وسلاطين مسلمون من أبنائها، وتقام فيها الشريعة الإسلامية على توالي العصور والأعوام، المسلمون المنتمون إلى هذه السلطنات أو الإمارات كلهم سنّيون، ينتمون إلى مذاهب السنّة الأربعة، الأكثرية منهم شافعية متأثّرة بمذهب الإمام الشافعي المنتشر فيما جاورها من الحجاز واليمن وحضرموت، والمذهب الحنفي انتمى إليه من انتمى عندما وصل المدّ العثماني والمصري إلى ولايات الحبشة، والمذهب المالكي انحدر إليها من السودان في الشمال واتّبعه المجاورون لهذه البلاد.

وهذه الإمارات الإسلامية السبع، هي:

1- إمارة الدوارو: وقاعدتها مدينة (دكر)، ويمرّ به الآن الخط الحديدي الممتدّ بين أديس أبابا العاصمة الحبشية، وبين دولة (جيبوتي)، عضو الجامعة العربية اليوم على البحر الأحمر.

2- إمارة (إيفات) وهي قطر شاسع كثير السكان.

3- إمارة (هديا) المعروفة بإقليم (سيدامو)، وكانت فيما مضى شهيرة بقوّتها وخيراتها وكثافة سكّانها، وتنتمي إليها قبائل كثيرة ذات أفخاذ وفروع منتشرة فيها وفيما جاورها والتفّ حولها.

4- إمارة (رابيني).

5- إمارة (شرحا).

6- إمارة (بالي) في إقليم عروس.

7- إمارة (درة) فيما يعرف هناك بإقليم الحرة.

ولقد توالى على هذه الإمارات منذ القرن الهجري السابع المشار إليه آنفاً عدد كبير من الأمراء والحكّام والولاة في صراع ونزاع وغزو بين كل إمارة وجارتها، وبين كل حاكم وجيرانه ومنافسيه ومتآمرين عليه، شأن الحياة في تلك القرون الوسطى بما فيها من اضطراب وحروب واغتصاب، يحصل هذا الصراع بين هؤلاء وبين بعضهم أو كلّهم، وبين ملوك الحبشة النصارى أو الوثنيين، وبين هؤلاء وأولئك، وبين حكام وسلاطين البلدان المجاورة فيما يسمّى اليوم بالصومال الجنوبي أو الشرقي.

ولقد جاءت أخبار هذه الإمارات وحكامها وحروبها وتاريخها فيما كتبه المؤلّفون الأوروبيون في القرنين الأخيرين، ثم فيما كتبه المؤلّفون المسلمون؛ مثل الكتاب المسمى: (الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام) لمؤلّفه أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المشهور بالمقريزي، وهو كتيب لطيف طبع في مطبعة التأليف بمصر في عام 1895 ميلادية، وكتاب (الإسلام في الحبشة، وثائق صحيحة قيمة عن أحوال المسلمين في مملكة أثيوبيا من شروق شمس الإسلام إلى هذه الأيام)، كل هذا التعريف هو اسم الكتاب المشار إليه، وطبعته الأولى في القاهرة عام 1354 هجرية الموافق عام 1935م مطبوع بمطبعة حجازي.

وكتاب (الإسلام والحبشة عبر التاريخ) لمؤلّفه المهندس فتحي غيث من مصر، وهو كتاب هام في إلقاء أضواء ساطعة على أحوال المسلمين وحكوماتهم وملكهم في تلك الديار، وكتاب (الإسلام الجريح في الحبشة – بلاد النجاشي أرض الهجرة الأولى)، لمؤلِّفه المكافح والمناضل السيد (أبو أحمد الأثيوبي) المطبوع عام 1964، وهو تبيان مسهب لحال المسلمين الآن تحت الاحتلال الحبشي الماركسي، ويجيء كتاب آخر هو كتاب (الصومال الغربي تاريخه السياسي والنضالي) أصدرته جبهة تحرير الصومال الغربي في عام 1980، وفي هذا الكتاب سرد وثائقي للصراع الذي كان مشتعلاً بين الصومال مع ما جاورها من الإمارات الإسلامية الحبشية من جهة وبين قوى الاستعمار الصليبي المشترك في حروبها، سواء من الحبشة نفسها أو من حلفائها وأنصارها وحماتها من قوى أوروبا – فرنسا – وإنجلترا وإيطاليا – وما قبلها البرتغال، بما في ذلك جمعيات التبشير وهي طلائع الغزو الفكري ثم الاجتماعي ثم الاقتصادي. وأخيراً الغزو السياسي والعسكري وهو والغزوات الأخرى سالفة الذكر ما اصطلح على تسميته بالاحتلال أو الحماية أو الاستعمار، وما فيه من الإعمار شيء، فما فيه إلاّ المسخ والاضمحلال والإبادة والضياع لمن نكب بلون من ألوان هذه السيطرة التي غمرت بها ديار المسلمين في أقطار آسيا القريبة منها والبعيدة، ثم أقطار إفريقيا من جوانبها الأربعة.

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=atur5





إضافة تعليق


   8  +   1   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة