"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

قصة الإمام أحمد الذي حارب الخوارج - الحلقة 43

قصة الإمام أحمد الذي حارب الخوارج  - الحلقة 43
  • ناس - الرياض
  • منذ 1 سنة, 1 أسبوع, 3 أيام, 21 ساعات, 22 دقائق
  • 09:40 م
  • 0
  • 0
  • 2261
0
وانطوت الحيلة على ميخائيل

)واستنوق الجمل)، فانطلت على الرأس ميخائيل حيلة رفع (الداويت) على العصي، وتراءت له طيوف الملك على الحبشة بأسرها، وهو ما لم يحلم به ولا حلم به سواه. فماذا يحول بينه وبين انتزاع الملك لنفسه، وهو قد سحق قوى الحكومة، ووقف على أبواب العاصمة، وها هي الكنيسة تخرج إليه مبايعة... فلماذا لا ينتظر ويتربّص سقوط الإمبراطورية المستوية في سلته؟ وهكذا انصاع الرجل لهذا الأمل البارق، فانتظر معسكراً على مشارف أديس أبابا، ينتظر أن يزفّ إلى الملك وإلى العرش زفّاً، من الأصدقاء والأعداء.

وكانت القوى الخفية في العاصمة تعمل على قدم وساقٍ لإثارة القبائل وحشد الجماهير أمام هذا الجيش المحارب الذي يقوده مسلم سابق لا يوثق بنصرانيته المؤقتة، لأنها كاذبة... وما هو إلاّ أن فوجىء الرأس ميخائيل الحاكم سعيداً، وهو بين عسكره بقوى القبائل والبلاط تباغته محاربة ومنازلة. ودارت معارك تشيب لها الرؤوس، تخاذل فيها كل من كان مع الرأس ميخائيل، وانفضّوا من حوله وانضمّوا تحت الإغراءات إلى القوى المعادية... ثم ما لبثت الهزيمة الساحقة الماحقة أن حلت به فأسر، وكان الكبير الذي تولّى خذلانه هو أحد قوّاده وحلفائه، الذي خانه تحت الإغراء والرّشوة، بالانفصال عنه والتوجّه في الحال بقوّاته لاحتلال ولايته (والو)، لينتزع منها أسرة هذا الغازي (محمد علي)، وتكون تلك الولاية له، وهو الرأس أميرس ولأولاده من بعده.

نهاية الرأس ميخائيل

وهكذا انفصل وانسحب الرجل في إحدى المعارك النهائية... انسحب بقوّاته متوجهاً إلى (والو) مستولياً عليها، ومعلناً إمارته فيها. وبهذا الإنقلاب تفرّق من حول الرأس ميخائيل، ثم ألقي القبض عليه أسيراً، وبدلاً من أن يدخل العاصمة أديس أبابا فاتحاً على حصان أبيض، أدخلوه أسيراً مكبّلاً بالأغلال، راكباً على بغل يطوفون به أحياءها، ويعرضونه على سكّانها في أهازيج وطبول صاخبة، ثم توجّهوا به إلى ضاحية من ضواحيها، هي ضاحية (أنكور) الواقعة على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات منها، حيث قذف به في قلعتها المشيدة على هضبة وعرة نايفة، ليس لها إلاّ طريق واحد يصعب الوصول منه إليها. فبقي هناك أسيراً معذّباً، وكان ابنه الملك المخلوع (ليج الياسو) قد فرّ قبل ذلك من سجنه هائماً في الغابات حتى وصل إلى بلاد (الدناكل)، فكان متنقلاً بينهم وهارباً فيها، وحلّت بوالده الرأس ميخائيل في معتقله الشيخوخة، ففقد عقله، وكان فيما يرويه عنه الناس إذا سمع رعداً، وما أكثر رعود بلاد الحبشة، صاح في سجنه يقول: ها هو ابني ليج الياسو قادم إلينا ليحرّرنا ولينقذنا ويعود إلى عرش سليمان. حتى مات على هذه الحالة شرّ ميتة. وكما كان الإمبراطور منليك، فيما سمعت عنه، قد أصيب بالوسوسة، فكان يتراءى له قطّ أسود يخيفه وهو في سريره، وفي مرض موته كان صهره ميخائيل يخيفه الرعد ويترقّب به مجيء المنقذ. وهكذا فالجزاء من جنس العمل

فلا يُغر بطيب العيش إنسان - وتلك الأيام نداولها بين الناس.

كان الملك (البنادنجل) قد مات عند وصول تلك الحملة، وتولّى الملك بعده خلفه الإمبراطور (غلاد ديوس) (1540 إلى 1559)، ولوجود هذه القوى البرتغالية غازية لبلاد العرب والإسلام استعرت في المنطقة حرب اقتصادية صليبية ضارية، وصلت نيرانها إلى ما حولها من مداخل البحر الأحمر، فاحتلّت (عدن) و (الشحر) و (سقطرى) والثغور الإفريقية المتناثرة، مع جزر (دهلك) و (قمران) في جانبي الشاطئين العربي والإفريقي من البحر المشار إليه.

وكان وجود تلك القوى في تلك الأصقاع انتقالاً بالحروب الصليبية والاقتصادية من شرق البحر الأبيض المتوسط وشواطئه الشمالية والجنوبية، على مداه الطويل من الإسكندرية وثغور الشام إلى جبل طارق وما حولها. فتحدّد بذلك الصراع بين الشرق والغرب، تدور رحاه الآن على مداخل المحيط الهندي ومشارف الجزيرة العربية من شواطئها الجنوبية والشرقية في الخليج إلى شواطئه الغربية في أطراف الحبشة والسودان والصومال، وما والاها وحفّ بها من كل مكان، ولقد كان يتولّى هذا الصراع من الجانب الوطني الإسلامي المجاهد الغازي (الإمام أحمد بن إبراهيم) الذي بعث فجأة من بين قوّاد المسلمين وأمرائهم المتحاربين المتنافسين المتصارعين على السلطة وعلى الملك وعلى الإمارة وعلى النفوذ، فجمع الصفوف وحارب الخوارج وقضى على الفوضى والتنازع، فالتفت حوله جماهير المسلمين المغلوب على أمرها وبايعته بالإمامة (1506 – 1543)، فأصبحت له الغلبة وبيده القوّة وله القيادة والريادة، فحرّر في عام (1531) الإمارات والسلطنات الإسلامية التي وقعت تحت سلطة ملوك وأباطرة الحبشة، ولم يكتف بذلك بل أخذ يمتد نفوذه وينتشر سلطانه وتتمدّد ولاياته حتى سيطر على المناطق المتوسطة والجنوبية من البلاد، ثم أخذ في التقدّم السريع إلى الشمال والشرق وحتى وصل إلى (كسلا) في السودان المعروف اليوم وما جاورها...

ارتفعت الراية الإسلامية

بعد كل ذلك أصبح صيت الإمام أحمد يملأ إفريقيا بأسرها، فارتفعت به الراية الإسلامية، وعزّ به من ذلّ من المسلمين، حتى لقد بلغ الإعجاب به والحماس لشجاعته غير المسلمين من المسيحيّين، لقد غمر الشعور بالانبهار به إلى إسلام الأمراء الكثيرين، وبينهم أمراء من عائلة خصمه اللدود الإمبراطور (البنادنجل) نفسه الذي سبقت الإشارة إليه. هذا المدّ الإسلامي الجارف هو الذي حدا ببقية ملوك الحبشة إلى الاستعانة بالبرتغال الذين كانوا بدورهم يتطلّعون إلى الوصول إلى الشرق كلّه، ويفكّرون بعد إخراجهم المسلمين من غرب أوروبا إلى استعمارهم وملاحقتهم ومنازلتهم في عقر دورهم في بلاد العرب نفسها، بل في مكّة والمدينة. كما وصلت طلائعهم المشار إليها إلى مينائي (عدن) و (الشجر) و (جزيرة سقطري)، ثم إلى (جدّة)، كما هو معلوم ومعروف في التواريخ التي يعرفها كل الناس إلاّ العرب والمسلمين، على جاري العادة في جهلهم وجهل جماهير الشباب بتاريخ بلادهم وأمّتهم وأمجادهم ومفاخرهم في أجزاء الإمبراطورية الإسلامية.

دي جاما قائد الحملة

إن قائد الحملة التي يدور هذا الإسهاب عنها هو القائد البرتغالي (فاسكو دي جاما)، الذي انتصر في التغلّب على المصاعب والمصائب منذ إبحاره من العاصمة (لشبونة) على ساحل المحيط الأطلسي الشرقي، ملتفّاً حول القارة الإفريقية بأسرها، من أعلى نقطة فيها وهي بحر الزقاق في (جبل طارق)، إلى ما سمّاه البرتغاليون فيما بعد برأس الرجاء الصالح في أقسى الجنوب الغربي من أفريقيا، حتى وصل بأسطوله ورجاله إلى الحبشة والسودان، ونازل الإمام أحمد في عام 1543، حتى لقي مصرعه على يده وعلى يد رجاله المجاهدين.

وهكذا انتقل مدُّ الحروب الصليبية من إسبانيا والبرتغال ومشارف نهر الوار حول مدينة (تور) الإفرنسية وغرب سويسرا وشواطىء (البروفنسري) الإفرنسية والإيطالية، إلى مشارف المحيط الهندي وإلى مداخل الخلجان الشمالية المتفرّعة منه، وهي: الخليج العربي والبحر الأحمر، حتى وصل إلى الهند وامتدّ من الهند إلى شرقها إلى جوانب ماليزيا وأندونيسيا، وتعدّى الفلبين ذات الاسم البرتغالي الذي أطلق عليها بعد استيلاء الملك البرتغالي (فيليب) عليها، وبهذا محوا الإمارات الإسلامية فيها، وتمّ لهم تنصير أهلها، حتى بلغ المدّ البرتغالي بعد كل هذا إلى الصين حتى لا تزال رأس الحربة منه موجودة إلى اليوم هناك، وهي مستعمرة (مكاو)، ولقد زرتها عام 1959 وأقمت فيها دارساً متتبّعاً لتاريخ وصول البرتغال إليها وإلى جارتها (هونج كونج). ولقد أسهبت الحديث عن هذا المدّ الاستعماري إلى مشارق الأرض ومغاربها في أخبار رحلتي تلك في ذلك العام الذي قمت به فيه بدورة كاملة حول الكرة الأرضية لم أركب فيها طائرة مطلقاً، وإنّما تمت الرحلة على البواخر المتعدّدة وعلى الخطوط الحديدية والسيارات، بدأتها من ميناء جدّة إلى عدن على باخرة سياحية إفرنسية، ثم على كراتشي فبومباي فسيلان فبلاد (فلفلان) في شمال ماليزيا، فإلى جزيرة سنغافورة فأرخبيل (ملقا) كلّه، ثم إلى هونج كونج ففرموزا فاليابان، وقد أقمت في ماليزيا واليابان شهراً كاملاً في كل واحدة منهما، وشهراً فيما حولهما، ثم على جزر هاواي فسان فرنسيسكو، ومن ثم تجوّلت في الولايات المتحدة نحو 3 شهور، ومنها بحراً إلى أوروبا حيث تجوّلت فيها ثلاثة شهور أخرى. ثم إلى مصر وعدت إلى جدّة بعد مضيّ عام كامل من بداية الرحلة.

ثم قدّر لي في عام 1977 أن أزور المستعمرات البرتغالية والإسبانية السابقة بعد استقلالها من المكسيك، وفنزويلا وجزائر البهاما وما بين القارّتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية حتى البرازيل والأرجنتين، تمّ كل هذا التجوّل بالبواخر تقريباً حتى عدت إلى أوروبا ثم إلى مصر فإلى جدّة.

وبالعودة إلى الحملات البرتغالية في آسيا والبحر الأحمر نعود إلى الحبشة، وإلى الصراع فيها وعليها وعلى ما حولها مما يسمّى بالصومال الغربي، الذي شمله الحكم المصري مدّة لا تتجاوز العشرة أعوام في (هرر) حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث نذر قرن الغزو الأوروبي من جديد على هذه البلدان، تلبية لاستغاثة ملك الحبشة (منليك) في كتابه إلى الميجر (هنتر) الإنجليزي في عدن بعد احتلاله الأوّل لمقاطعة وسلطنة (هرر)، ثم بعقده عدداً من المعاهدات والاتفاقات مع بعض رؤساء الصومال الغربي وبعض الخوارج من (الجبرت)، ثم بما سمّي بمعاهدات الحماية مع الأمراء الصوماليين والمشايخ، والتي شملها الصراع الإفرنسي والإنجليزي والإيطالي والحبشي على تلك البلاد، فأخذت تدور في حلقات مفرغة من الحروب الأهلية والخيانات والرشوات التي لم يترفّع عنها إلاّ عدد قليل من المخلصين المجاهدين من أهل تلك البلاد، وكانت تلك الأعاصير تدور في أعوام 1884 – 1886 -1889 -1896 تقريباً، ولقد ضاع في أمواج هذا الصراع ما ضاع وتبدّل في مدّ وجزر توالت أعاصيره وزوابعه بتدخّل القوى الأوروبية المشار إليها وعبثها في هذه المناطق كلّها، بينما كانت الأقطار العربية والإفريقية المجاورة تدور في خضمّ تلك الزوابع والأعاصير لا تملك من أمره شيئاً.

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=KRr3A





إضافة تعليق


   6  +   8   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة