"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

ومازال الحديث عن ملوك الحبشة - الحلقة 42

ومازال الحديث عن ملوك الحبشة - الحلقة 42
  • ناس - الرياض
  • منذ 1 سنة, 2 أسابيع, 2 أيام, 21 ساعات, 17 دقائق
  • 09:45 م
  • 0
  • 0
  • 2180
0
معنى اسم ليج الياسو

مرّة أخرى بعدما ذكرته عن الملك “ليج الياسو” فيما سبق أعود إلى ذكر هذا الملك الحبشي الذي دارت حوله الأقاويل وتناقلت عنه الأساطير، منها ما تحدّث به إليّ السيد الصديق عيدروس المحضار الذي قضى أكثر أعوام عمره مهاجراً في الحبشة، فعرفها وعرف أهلها وتكلّم لغاتها وأحبّها حباً يملك عليه قلبه، قال لي منذ سنوات إن تركيب اسم هذا الملك هو من كلمتين الأولى (ليج) وتعني بالحبشية معنى ولد في العربية، وياسو وتعني الياس وهو القديس، فمعنى الاسم كله ابن الياس أو ولد الياس...

يقول السيد عيدروس إن والد هذا الملك هو الرأس ميخائيل حاكم مقاطعة (والو) الحبشية المشهورة، وهي مقاطعة إسلامية في الماضي والحاضر، هذا الوالي عليها والحاكم فيها المسمّى بالرأس ميخائيل كان اسمه الأصلي (محمد علي)، أمّا كيف أصبح (محمد علي) الرأس (ميخائيل) فذلك له قصة، هي أنه في إبان حكم الإمبراطور الحبشي المشهور في آخر القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده الإمبراطور (منليك)، موحّد بلاد الحبشة والذي قضى على الإمارات الإسلامية وعلى زعماء الأحباش المستقلّين في البلاد، وحاربهم وشتّت شملهم، وحمل الكثيرين منهم على التنصير، هذا الملك الإمبراطور لم يرزق بولد يرث ملكه وإمبراطورية آبائه وأجداده في الحبشة، وهي أقدم مملكة مسيحية في القارّة الإفريقية.

وكان الرأس محمد علي الحاكم المسلم لولاية (والو) في شرق بلاد الحبشة المجاورة للإمارات الإسلامية في بلاد الجبرت، بالقرب من شواطىء البحر الأحمر وما بين (جيبوتي) و (عصب)، كان حاكماً ذا نفوذ في بلاده وعلى قومه، وكان ذا قوّة وسطوة وبأس، وعندما صفّى الإمبراطور منليك الرؤوس الحبشية ووحّد البلاد تحت تاجه، بدأ يفكّر في هذا الرأس المسلم القوي المحاط بقبائل المسلمين وعصبيّتهم وبأسهم، فرأى ألاّ يدخل معه في حرب طاحنة فهو يعلم أنها لن تكون سهلة، وقرّر بعد تقليب الرأي أن يعرض على الرأس محمد علي التفاهم فيما بينهما، قبل الاصطدام أو الحرب المدمّرة إذ لا فائدة فيها لكليهما... وكان يرى أن كل واحد منهما له مصلحة عظيمة في التفاهم والوفاق، فبعث للرأس محمد علي يقول له: إنك تعلم أنني لن أترك في الحبشة إمارة لا ترضخ لإمبراطوريتي ولا تدين بدين الكنيسة التي أتبعها، وأنت قد رأيت مصير الأمراء والرؤوس في شتّى أنحاء البلاد، وما آل أمرهم إليه عندما لم يدخلوا معي فيما أريد، لهذا أعرض عليك أن ترتدّ عن الإسلام وتدخل معنا في دين الدولة وهو المسيحية، فإذا فعلت هذا وأعلنته والتزمت به فلك عندي عهود أعدك بها وأشترط على نفسي لك بها، ولن أخونك فيها، إذا لم تخنّي أنت في التنصير والرضوخ للكنيسة، أمّا الأوّل فأنت تعلم أنني لم أرزق بمن يرث عرش الحبشة بعدي، وهو عرش خالد في نظرنا لا نفرّط فيه، ولهذا فسأزوّجك بابنتي في الحال، فإذا جئت منها بولد فسيكون حفيداً لي، فأعلن حينئذ أنه وريثي ووليّ عهدي في حياتي، وأنه إمبراطور للحبشة بعدي لينتقل الملك فيه وفي أبنائه على مرّ العصور وهم أحفادي وأحفادك.

القبول بعرض الإمبراطور

وحينئذ سأبقيك أنت والياً على بلادك حاكماً عليها، لا أتدخّل في شؤونك ولا في شؤونها، فإذا لم تقبل مني هذا العرض فليس أمامي إلاّ حربك والقضاء عليك، ففكّر في هذا العرض الذي أعرضه عليك الآن وأجبني بما تختار. وفكّر الرأس محمد علي طويلاً فيما فاجأه به الإمبراطور الجبار منليك، وبعد تقليب الأمور وتدبّرها رأى ألا مندوحة له من قبول هذا العرض، فردّ عليه بالقبول، وجرت المفاوضات وتوالى الرسل بينهما حتى تمّ الاتفاق التام بينهما على ما جاء في عهد الإمبراطور وعرضه، فأعلن الرأس محمد علي حينئذ التنصّر، وللبرهان على ذلك ذهب في موكبه ومع أهله إلى الكنيسة على رؤوس الأشهاد وصلّى فيها، ورفع صليبها وقبّله وعلّقه في عنقه، ولكنه لم يلزم من رفض من رعاياه المسلمين بالارتداد عن الإسلام ولا بالالتزام، والتزم به وارتضاه لنفسه.

وزّفت الأميرة الإمبراطورية ابنة الجبار “منليك” إلى الرأس محمد علي، الذي أصبح الآن بعد أن عمد في الكنيسة يسمّى بالرأس ميخائيل، فتزوّجها في أفراح صاخبة وليال زاهرة وأعراس لا نظير لها، وتزاور مع صهره الإمبراطور في العاصمة أديس أبابا، ورزق منها ولداً ذكراً سمي (ليج الياسو)، ما لبث أن أعلن أنه ولي عهد جدّه والد أمّه الإمبراطور منليك وولي عهد الحبشة بأسرها بإرادة الله... واعترفت الكنيسة بهذا الحدث واعترف زعماء القبائل (الرؤوس).

ما حدث بعد وفاة الإمبراطور منليك

وشبّ الغلام وترعرع في بيت والده الرأس ميخائيل (محمد علي) في ولايته (والو)، حتى إذا بلغ نحو الرابعة عشرة من عمره توفي جدّه الكبير منليك بعد شيخوخة متعبة مزعجة أخفيت أخبارها عن الشعب، ولم يكد يعلن موت الإمبراطور ويدفن بمراسم الدفن الإمبراطورية المتّبعة للكنيسة، حتى أخذ بعض كبار رجال الكنيسة ورؤوس الأحباش يتساءلون كيف يمكن أن يحل الشاب ليج الياسو ابن (محمد علي) على أريكة حبشية مسيحية عريقة، بهذه اللعبة التي لعبها جدّه منليك مع والده محمد علي، وكل واحد منهما لم يكن يفكّر إلاّ في مصلحته وحده؟ ولما كان احترام الأحباش للإمبراطور منليك شيئاً منقطع النظير، حتى أنهم ليحلفون باسمه في حياته وبعد موته ويرونه في رتبه القديسين والمصلحين، لهذا أصرّت الكثرة الزاخرة من رجال الكنيسة وكبار رجال البلاط على تنفيذ وصية الإمبراطور لحفيده بالملك، سامعين مطيعين له في حياته ومماته، وخصوصاً أن أمّه هي ابنة منليك كانت أحبّ الناس إلى قلبه وإلى قلوب الجماهير بأسرها، ومن أجله صدع الشعب بالوقوف بجانب الشرعية وعلى رأسه أقوى رجل يومئذ في البلاد بعد منليك ألا وهو الرأس (افتراري افتا قرقص)، وزير الحربية يومئذ وأكبر شخصية في الحبشة نفوذاً ومكانة ووجاهة وقدراً، ولقد وقف هذا الوزير أمام الشرعية وألزم الشعب بها، وفي الحال توجّه بنفسه على رأس قوّة عسكرية إلى ولاية الرأس (ميخائيل) (محمد علي) في (والو)، وأخذ وليّ العهد إلى العاصمة أديس أبابا حيث توّج في الكنيسة وبويع بها ملكاً مكان جدّه، وأصبح يسمّى ويلقب (الملك ليج الياسو ملك الملوك بمشيئة الله)، وأصبح والده الرأس ميخائل نفسه (محمد علي) بهذا الوضع تابعاً وموالياً لابنه، ووالياً من ولاته على ولايتهم المتوارثة (والو) على ما كان عليه أجداده، وانتهى الخلاف بعد هذه الخطوة وخضعت الحبشة كلّها لملكها الجديد ابن الحاكم المسلم وحفيد منليك المسيحي حامي الكنيسة، وكان هذا الملك شاباً مغامراً شجاعاً جميل الصورة مقداماً إلى درجة التهوّر، وبكل هذه الصفات مجتمعة مع الملك المقدس يومئذ تعب من كانوا حوله من رجال الكنيسة وزعماء البلاد، ولم تعجبهم فتوّته ولا تصرفاته ولا مغامراته ولا من أصطفى لصحبته، ومن يكون حوله وكانوا مجموعة أصدقاء أكثرهم من المسلمين، وكان في الحبشة يومئذ ممثل للسلطان الخليفة عبد الحميد الثاني وهو السفير (مظفر بك)، وكان شخصية من كبار شخصيات تركيا قد أصبح صديقاً حميماً لذلك الملك الشاب، كما كان بعض كبار العرب من يمانيين وحضارم من جلساء ليج الياسو هذا وأصفيائه، وعرف الخاص والعام في أديس أبابا الملك وحاشيته وسمّاره والملتفّين عليه، ولم يعجب زعماء الكنيسة ولا رجال الحكم في البلاد التفاف أولئك حول ملكهم، فقد عرفوا أنه يميل إليهم بدمه الموروث من والده ومن جدّه لأبيه، وبكل هذا وفي تلك الظروف بدأت إرهاصات الحرب العالمية الأولى تملأ آفاق أوروبا، وتحقّق لأوروبا أن الحرب مع الألمان وأصدقائهم الأتراك العثمانيين واقعة لا محالة، فهبّت حكوماتها حينئذ للعمل في عواصم العالم بما فيها الحبشة لوضع حدّ حازم لهذا الملك المسيحي الحامي للمسلمين والمسيرّ بمشورتهم، فهو أمر لا تقبله أوروبا ولا تقبله الحبشة نفسها، فإن هذا الموقف من أباطرة الحبشة من المسلمين وعداوتهم لهم ظلم تاريخي تقليدي لا يجهله أحد في خارج وداخل الحبشة، وكان منليك أكثرهم بطشاً بالحكام المسلمين والقضاء على ولاياتهم وضمّها لعرشه مثل منطقة وولاية (هرر) وبلاد الدناكل وغيرهم.

وبدأت الإشاعات ضد ليج الياسو

بدأت الممثليات الأوروبية الإنجليزية والإيطالية والإفرنسية في أديس أبابا، كما تكرّرت الإشارة إليه، تعمل في اتّحاد مشترك لإثارة البلاد ضد “ليج الياسو” بكل الوسائل، فأشاعوا عنه الأحاديث الكثيرة المثيرة وأهمّها عطفه على المسلمين، وتجمّعهم حوله، ودمه المسلم الموروث من والده، وصداقته الحميمة لممثل السلطان عبد الحميد الثاني خليفة المسلمين في بلاطه، وصداقته لكبار العرب المهاجرين من مصر والسودان والشام في البلاط، وعطفه على زعماء المسلمين الأحباش من العلماء والوجهاء والتجار عطفاً واضحاً أثار عليه الكنيسة وممثّلي الدول الأوروبية ورجال البلاط الأحباش من حوله، ثم ما لبث الخلاف أن اشتعل، فنشرت المناشير المطبوعة الموزّعة على القبائل من الكنيسة بتصرّفات ملكهم، حتى لقد صوّروه بالطربوش العثماني الأحمر. وبهذا اندلعت الفتنة للأسباب المذكورة كلّها، فخلع الملك علناً عن العرش، واشتعلت نيران الفتنة في البلاد، وكان كل هذا يجري على الملك الشاب ووالده الرأس ميخائيل يراقبه ويلاحظه ويعرف عواقبه، ولم يسكت الرأس ميخائيل (محمد علي) بعد كل ما سمع ورأى، فقد تحرّك في الحال فحشد قوّاته في مقاطعة (والو)، وتقدّم على رأسها نحو العاصمة أديس أبابا نجدة لولده الذي خلع، ثم ألقي القبض عليه قبل فراره، وكانوا يقدرون قوات الرأس ميخائيل (محمد علي) الزاحفة بحوالي سبعين ألفاً تقريباً وصل بهم في زحفه إلى مسافة نحو سبعة كيلومترات من العاصمة، فذعرت الدول الأوروبية، وصعقت الكنيسة خصوصاً بعد انتصار الرأس ميخائيل على جميع قوى الحكومة التي كان في طريقه انتصاراً كاسحاً، لهذا عمدوا في الحال إلى الحيلة، وكانت دول أوروبا بواسطة ممثّليها تشير عليهم بما يعملون وبما يفعلون ويتصرّفون، فاتّفقوا كلهم على حيلة تقليدية، هي خروج جميع قساوسة الدولة ورهبانها لملاقاته، وقد رفعوا على عصيهم (الداويت) وهي نسخ الإنجيل القبطية المحفوظة في الكنيسة، رفعوها عليها وخرجوا يحملونها في صفوف وجماهير غفيرة، يقابلون بها الجيش الزاحف، وهم يقولون للرأس ميخائيل: هذه هي ألواح الإنجيل حكمها بيننا وبينك فيما تعاهدت مع (منليك) عليه، ونحن لا نريد الحرب ولا نريد منازعتك أنت، فأنت مسيحي مخلص للكنيسة، أما ابنك فهو مرتد، فإن أردت أن نبايعك إمبراطوراً علينا بدل ابنك ومحل صهرك الإمبراطور منليك، فتريّث في مكانك ولا تدخل أديس أبابا حتى نهيىء ونوطّد لك الأمن فيها، ونقدّم لك الدعاية بين الجماهير وفي الكنائس كلّها، ولا داعي لدخولك العاصمة فاتحاً، وفي هذه الجحافل الجرّارة التي ستلحق الأذى بالشعب كلّه وهو ما لا ترضاه لنا ولا نرضاه نحن لك.

بقلم الكاتب
د. خالد محمد باطرفي

كاتب وصحفي 

مقالات سابقة للكاتب




تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=mtDAC





إضافة تعليق


   5  +   1   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة