"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

رحلتي مع الطالبات من دمشق لبغداد- الحلقة 21

رحلتي مع الطالبات من دمشق لبغداد- الحلقة 21
  • ناس - الرياض
  • منذ 1 سنة, 1 شهر, 3 أسابيع, 1 يوم, 6 ساعات, 43 دقائق
  • 09:30 م
  • 0
  • 0
  • 1886
3
وهكذا اشتُهرت جمعية العروة الوثقى في الجامعة الأمريكية ببيروت بدعوتها إلى العروبة وإلى الوحدة العربية، والتعارف بين الاقطار العربية وتبادل الزيارات والمحاضرات واللقاءات بين الجامعات والمحافل العلمية وجمعيات الشباب، وعلى هذا وجَّهت وزارة المعارف العراقية، وكان يرأسها يومئذ وزيرها صالح جبر ومديرها صديقنا معالي الرئيس الدكتور فاضل الجمالي، في عام 1939م، الدعوة إلى العروة الوثقى، لاستضافة وفد من أعضائها يكون عددهم حوالي خمسين طالبا وطالبة، يزورون بغداد والمدن العراقية الأخرى، ويتعرَّفون على نادي “المثنى” وهو النادي العراقي العربي القومي الذي أُنشى يومئذ في قلب عاصمة الرشيد، فاستقطب دعاة الوحدة القومية العربية المؤمنين والعاملين من أجلها.

وتألَّف وفد العروة الوثقى في ذلك العام 1939م، قبل اندلاع نيران الحرب العالمية الكبرى بشهور، وتألَّف من ذلك العدد المحدد من وزارة المعارف العراقية، واختارتني العروة الوثقى أن أكون بين أعضائها المؤلَّفين من الاقطار العربية ممثل الجزيرة العربية.

وقد استعدَّينا لهذه الزيارات القومية التي كنا نحلم بها وبمثلها إلى الاقطار العربية الأخرى، وتوجَّهنا بالسيارات من بيروت إلى دمشق بعد ترتيب مسهب لبرنامج الزيارة تمَّ بين الجمعية وبين وزارة المعارف العراقية، وقدِّمت فيه الأسماء. وكان رأس هذا الوفد بعض كبار أساتذة الجامعة وهم: الدكتور شارل مالك، والدكتور قسطنطين زريق، والأستاذ يوسف حوراني، وذلك النفر من الطلبة والطالبات الذين لا تحضرني أسماؤهم.

وصل الوفد إلى دمشق قُبيل المغرب، فهيِّئت له ثلاث حافلاتٍ كبيرة، رأى المشرفون على الوفد، عندما حضرت الحافلات وتهيَّأت للانتقال إليها من التاكسيات الصغيرة التي حملتنا من بيروت، أن يعقدوا مؤتمراً سرياً بينهم يضعون فيه خُطة تنظيم الطلبة والطالبات في السيارات الثلاث، لأن المسافة من دمشق وبغداد كانت تقتضي السير ليلاً ونهارا، حتى تقطع صحراء ما يسمى ببادية الشام، أو صحراء سوريا الكبرى، فرأوا أن يضعوا الطالبات، وكان عددهن نحو عشرين طالبة، في إحدى السيارات الثلاث يكون سيرها بين السيارة الأولى والثانية خوف الضياع في ظُلمة الليل ورمال الصحراء. فلم تكن الطريق يومئذ بين العاصمة العباسية والأموية مُخططة ولا معبَّدة ولا مسفلتة، والضياع كان لمثل هذه السيارات التي يقطع بها السائقون البراري والقفار في ظلمات الليل وحتى في النهار كان يتكرر كثيراً، وكثيراً ما تنتج عنه الحوادث والكوارث.

وفرَّقوا الطلاب الآخرين في جداول بأسمائهم على السيارتين الأخريين، وأن يركب الأساتذة متفرقين في السيارات الثلاث، وقد فكروا في اجتماعهم الذي لم نعلم به. وكان اجتماعاً واقفاً على جانب الطريق في خُطة السير في همسٍ بينهم حتى لا يستمع الطلاب إليه، لأن الصراع والمنافسة والأماني كانت تجيش في صدور أعضاء البعثة من الشباب في كيف يكون إركاب زميلاتهم الطالبات، وهل سيكون مفرَّقاً في كلِّ سيارة؟ وهذا ما كانوا يعتقدونه، فجاء ترتيب الأساتذة رؤساء الوفد خصوصاً الدكتور قسطنطين زريق أن تكون السيارة الوسطى كاملةً للطالبات، وأن يركب بجانب سائقها أستاذ اختاروه لوداعته وكبر سنه وهو الاستاذ يوسف صوراتي، وأن يكون معه في مؤخرة السيارة الكبيرة الخاصة بالطالبات أحد الطلبة.

وهنا جاء تداول الرأي بين الأساتذة فيمن يكون مختاراً بين الطلاب أعضاء الوفد مع الطالبات، والصراع على ذلك كان ينتظر أن يكون ساخناً بين أولئك الشباب، فوقع اختيارهم على “عبدالله بلخير” بالإجماع، بعد أن رأوا وهم يبتسمون بأن هذه المهمة التي يتطلع إليها هؤلاء الشباب يجب أن  لا تكون إلاَّ للشاب عبدالله بلخير، لأن أسباب ترشيحه واختياره متوفرة في رأيهم أنه “ابن حلال” ومن مكة، فله في ذلك ما يبرر اختيارهم له ونزوله عند حسن ظنِّهم في أن يحافظ على القطيع، وأن يكون مع الأستاذ المشار إليه في المقدمة، مسؤولاً عن “حفظ الامن” وسلامة الركاب.

وانتهى على هذا قرارهم في رسم سير سيارات الوفد في الموكب، وكان أعضاء الوفد مبتعدين عنهم يستمعون إليهم ويلتقطون ما قد يصل من محاوراتهم، ليروا  كيف سيكون موضع زميلاتهم في الليلة الظلماء التي يفتقد فيها البدر، فلما انتهى الأساتذة إلى ذلك القرار، لا أزال أتذكر كيف رفع الدكتور زريق صوته منادياً، وقد بدأت ظُلمة بعد المغرب. (يا شباب .. يا شباب، تفضلوا) فأقبلنا عليه طلاباً وطالبات، فقال لنا: خُطة السير الآن لقطع العراء خلال هذا الليل حتى نصل إلى بغداد بعد مغرب الغد هي : أن يكون الفريق الأول من الشباب في السيارة الأولى، وسيكون معهم بجانب السائق الدكتور شارل مالك والاستاذ كنعان الخطيب، وسأكون أنا والاستاذ أنيس المقدسي بجوار السائق في السيارة الأخرى، وأن تتوسط السيارة الثالثة في سيرها بين هاتين السيارتين ويكون فيها جميع الطالبات، ويكون الاستاذ يوسف صوراتي بجوار سائقها، وأن يكون عبدالله بلخير في مؤخرة السيارة، وعلى هذا الترتيب يجب أن يكون السير، وانفجر الشباب صاخبين معترضين يصيحون، ومنهم من يضحك ومنهم من يحتج، ويقول: يا دكتور هذا ترتيب غير عادل، لماذا لا تتفرق زميلاتنا في السيارات الثلاث، وصاح أحد الزملاء لا أزال أتذكر اسمه الاستاذ أحمد السبع من قلقيلية بفلسطين. وكان ولا يزال من أعز أصدقائي يصيح على الدكتور: لماذا عبدالله بلخير بالذات وليس غيره يكون مع الطالبات؟ فقال لهم وهو يضحك: لأن عبدالله هو أبوالخير، ولن يصدر منه ما يخلُّ بالأمن، وهو من مكة، جدير بأن يكون موضع الامانة والرعاية لزميلاتكم الطالبات، كما أن اختيارنا للاستاذ الصوراتي كان مبنياً على مثل هذه العوامل، فكلكم يعلم أنه رجلٌ أستاذ كريم جدير مع عبدالله بهذه المهمة، والتفَّ حولي الطالبات يُبدين سرورهن وفرحهن مهنئات على أن أكون في صحبتهن ومسؤولاً عنهن. وزملائي الشباب يمطرونني وابلاً من الشتائم ، وما كنت والله في تلك اللحظة أعلم اختيار رؤساء الوفد لي لمثل هذه المهمة أهو مدحٌ لي، أم قدحٌ فيما لا أريد أن أسميه، وكلُّ ما في الأمر أننا قد تواثبنا حينئذ إلى السيارات، وأخذت مقعدي في جو عابق من الصخب والضحك يجيء من سيارتنا متبادلة مع زملائنا الطلاب في السيارتين الأخريين.

وتم انتقال الجميع إلى مقاعدهم على هذا الترتيب، وصدرت تعليمات الدكتور قسطنطين زريق المشرف على الوفد إلى سائقي السيارات أن يكونوا صفَّاً واحداً متباعداً تجنُّباً لزوابع الأتربة التي ستثيرها مثل هذه السيارات الكبيرة في الصحراء، وأن يحرص الجميع على تتبع السيارات الثلاث، ومراقبة عدم ضياعها، وأن يكون هذا الحرص منصبَّاً بصفةٍ خاصة على السيارة التي تحمل الطالبات.

وهكذا هدرت محركات الحافلات، واشعلت أنوارها من الداخل والخارج، وكانوا قد غرقوا علينا بطانيات من الصوف وقايةً لنا من برد الصحراء في آخر الليل وبعض قوارير الماء والخبز والجبن المشترى من أسواق دمشق والسيارات تطوي بنا البلد طيَّاً.

وقامت المشكلة الأولى في “فردوسي الذهبي” ، فقد بدأ النزاع والخلاف بين الطالبات على البطانيات وعلى كلِّ واحدةٍ من الطالبات تريد أن تجلس بجانب صاحبتها، فلا تقبل الأخرى أن تتزحزح من مقعدها إلى المقعد الآخر، وكانت مقاعد الحافلة على عدد من ركب فيها. وبدأ السير وبدأت الأناشيد من سيارات الشباب التي تحفُّ بسيارتنا يقودها الاستاذ كنعان الخطيب بصوته الجهوري، يرددون النشيد المعروف يومئذ “موطني موطني”، والنشيد الآخر “نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد، ونحن الشباب” فترتفع أصواتهم في الصحراء بين ضحكاتهم وصخبهم، ويكون حماسهم مشتعلاً كلما لاحظوا حافلة الطالبات، تستمع إليهم، وتصفُّق اليهم، وأخذت الطالبات يصحن على أن أقود نشيداً من هذه الأناشيد التي كنَّا جميعاً ننشدها في اجتماعات العروة الوثقى وفي سهراتها ولقاءاتها وأسمارها، فخيَّبت آمالهن في ذلك لاستحيائي وخجلي المتوارث من الآباء والاجداد.

وبقينا في نحو ساعةٍ كاملة ونحن نستمع من السيارات الأخرى إلى صخبٍ جارفٍ وأصواتٍ حماسية في أناشيدها ولكن من باب (إسمعي يا جارة.(

ومرَّت علينا نحو ساعتين في ذلك الجو الصاخب ترتفع بنا السيارات وتنخفض في مطبَّات متوالية ورمالٍ كثيفة، تسمع لمحركات السيارة فيها أنيناً وزئيراً وصخباً، حتى تعبت الحناجر وخارت القوى استعداداً للنوم، ومال كلُّ رأسٍ على كتف الرأس المجاور، وبقيت أراقب ما كنَّا فيه، حتى نامت الطالبات وبقيت في محلي بمؤخرة السيارة، وبقي الاستاذ الصوراتي وهو جالسٌ بجانب سائقنا غير نائم (فمن رعى أمراً عظيما لم ينم). وكان من حرص الاستاذ الصوراتي على السلامة ألاَّ يغمض له عين حتى لا ينعس السائق. وبعد مسيرة نحو عشر ساعات قطعنا فيها أكثر الصحراء بين بغداد ودمشق، وصلنا إلى أول محطة عراقية في قلب الصحراء، وهي محطة “الرطبة” فتوقفت سيارتنا ولقينا من قائد حاميتها العسكرية الترحيب المنتظر، فقد كان منتظراً وصولنا، وقام النائمون وطلب منا أن نخرج من السيارات لتناول إفطار الضيافة المعد وشرب الشاي والقهوة وفعلنا.

وكان التعب قد أرهق الجميع، وكان الغبار قد غطَّى معالم الزينة من “البودرة والحمرة” فاغبرت الوجنات، وذبلت العيون، وخرج الشبان من سيارتهم يلتفون بزميلاتهم يحفون بهن ويستفسرون عن سلامة الجميع في ضوضاء محبة وضحكاتٍ متناثرة، وكان نصيبي منهم ما استجرت منه بالدكتور قسطنطين، أن يكفَّهم عن الالتفاف حولي وتوجيه الاسئلة والمشاغبات لي.

وقضينا ساعة مُلئت السيارات فيها بالوقود، وانتهينا من مأدبة الافطار، وكانت الشمس لا تزال في أول شفقها، ثم ركبنا سيارتنا، وحفل كلُّ مقعدٍ من مقاعد هذه الحافلات بمن كان يجلس فيه إلاَّ من استبدل مكانه بمكانٍ آخرٍ فيما لا يخرج من الأوامر الصارمة لنا من قائدنا الدكتور زريق، وبدأنا رحلة الجزء الآخر من الصحراء حتى قطعناها، ثم استرحنا بعد ذلك ساعات، اضطرت السيارات فيها أن تتريث بنا عندما اشتدت حرارة الظهيرة فوق رمال الصحراء، ثم وصلنا إلى بلدة “الرمادي” بعد مغرب ذلك اليوم الذي تركنا دمشق في مغرب أمسه، ولم نكد نصل الى مداخل هذه القرية حتى داهمتنا جموعٌ صاخبة متماوجة هازجة من رجال وشباب وطالبات يحملون الاعلام وينشدون الاناشيد ويدقون الطبول، وكلها ترحيبٌ بهذا الوفد من الشباب العربي القومي، وكانت الهتافات لفلسطين والتحيات لسوريا ولبنان والعراق وللوحدة العربية ملء الحناجر، وكان الظلام قد عمَّ مداخل المدينة، وفوجئنا حينئذ من كثرة الزحام بمن رفع عصاه ليدق نوافذ سيارة الطالبات لتحيتهن (على الطريقة العراقية) فتحطم الزجاج وجاءت بعض الشظايا في وجه الطالبة التي كانت خلف زجاج النافذة وعلا الصياح حينئذ، وهنا جاء دوري في أن أفعل شيئاً، لأن الصياح من دم الاصابة قد صار ولولة واستغاثة اشترك فيها كلُّ الطالبات من تفجُّعٍ ودعوات نجدة.

وشققت الطريق بين مقاعد الطالبات إلى الطالبة لأرى ماذا يجب أن أفعل، ولم يكن أمام الصخب الذي التفَّ حول السيارة ما يستحسن معه توقف السيارة، فقد كان الاستاذ الصوراتي المسؤول الأول فيها وأنا المسؤول الثاني يخاطبني من النافذة التي بين السائق والطالبات، بأننا لا نستطيع التوقف بين الجموع والأولى أن تبحثوا عما يُصلح الاصابة، فاستعنا ببعض الطالبات، وأخرجت منديلي الذي كان في جيب سترتي واستطعنا ان نمسح به ما سال، وشققنا ذلك العباب المتلاطم من المستقبلين في هوساتهم (وأرجو أن يكون معلوماً أن “الهوسة” في اللغة الشعبية العراقية معناها الاهزوجة، وليس من باب “الهوس” المعروف في الاقطار العربية الاخرى، فلا يغضب علينا من يظنُّ أننا نقصد معناها في تلك الاقطار، ولم يكن هناك إمكانية للتوقف للبحث عن دكتور، قد كانت النجاة هي الأحزم والأسلم. وهكذا كان حتى وصلنا الى مداخل بغداد، وبرغم وصولنا في ساعاتٍ متأخرةٍ فإن الحكومة العراقية، كما هيَّأت الاستقبالات في “الرمادي” و”الرطبة” قبل ذلك، هيَّأت الجماهير للاستقبال في بغداد طول الطريق الممتدة من الجهة الشامية فيها حتى مدرسة “الأعظمية” العليا، التي هُيِّئت لنزول أساتذة وأعضاء وفد العروة الوثقى.



تكبير وتصغير الخط

رابط للخبر  http://nas.sa/q?p=9q2es





إضافة تعليق


   8  +   0   =  

التعليقات ( 0 )

لا يوجد تعليقات

أخبار ذات صلة