nas.sa
2017/2/16 09:21:46 م  0     0     561   

"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

قصتي مع الزعيم اليمني النعمان - الحلقة 32

مع الزعيم اليمني أحمد النعمان

أتذكر أنه في حج عام 1939م، قدم مع بعثة الأزهر من مصر، صديقنا فيما بعد وإلى اليوم الزعيم اليمني المشهور دولة الرئيس أحمد محمد نعمان.

وكان بين البارزين المدعوين إلى حفلة الشباب في منى في ذلك العام، فتحمس كعادته وكان يومئذ لا يزال في عنفوان حيويته وصولته وثورته، وقد سمع زعماء العالم الإسلامي يتحدثون ويخطبون في ذلك الحفل، فوقف يلقي كلمة مطولة دعا فيها إلى الوحدة العربية، وأطال فيما دعا وتحمس فيما خطب، حتى قال مستشهداً بما يدعو إليه، قال كما قال الشاعر عبد الله بلخير:

شبه الجزيرة موطني وبلادي *** من حضرموت إلى ربى بغداد

أشدو بذكراها وأهتف باسمها *** في كل جمع حافل أو نادي

منها خلقت وفي سبيل حياتها *** سعيي وفي إسعادها إسعادي

كل له فيمن أحب صبابة *** وصبابتي في أمتي وبلادي

أعدت الأبيات الأربعة مرة أخرى بعد أن ذكرتها في أماكن سابقة، جاءت مناسبتها، وما قصدت الآن إلاّ أن أروي هذه الطرفة منسوبة إلى صاحبها الأستاذ النعمان، وهو يرويها في كل مناسبة نلتقي معه فيها أو بآخرين، ولقد صفق الحاضرون في تلك الحفلة والندوة لخطاب الأستاذ النعمان الذي كان كعادته سحاراً فيما يقول وينشد، حتى إذا ما انتهى منها وأقبل عليه من يهنئه على الكلمة، كما هنأوا غيره من خطباء الحفل، قمت أنا أشق طريقي إليه مادًّا له يدي، أحييه على كلمته، فقال لي: من الأخ؟ فقلت له: عبد الله بلخير، فذهل لما سمع وقال لي: كنت أظنك وقد رويت مطلع إحدى قصائدك من محفوظاتي أنك شيخ كبير بلحية طويلة وعباءة فضفاضة وعصا طويلة تتوكأ عليها، وها إنك في غرة شبابك: ترى أأنت الشاعر؟ فتبسمت وقلت: نعم! فقال لي: يا سبحان الله!!. لقد ربطتنا منذ تلك اللحظة صداقة تراوح عمرها نحو نصف قرن تقريباً، التقينا خلاله مئات المرات، ولا نزال نجتمع في صيف كل عام في مدينة جنيف بعد أن تكون اجتماعاتنا في جدة، وأحاديثنا بالهاتف في كل صباح، وفي جنيف يجيئني الأستاذ من فندقه إلى الفندق المجاور له فندق "دولابيه"، فنجلس الساعات الطويلة في ذكريات لا تنقطع بل تتجدد إذا كنا في بلد واحد كل يوم، وهكذا فلي مع الأستاذ النعمان ما لكل من عرفه، ابتداء من الإمام يحيى، فالإمام أحمد، فالرئيس جمال عبد الناصر، فأكثر رؤساء العرب وملوكهم من الذكريات المتجددة التي لا يمل سماعها ولا ينضب معينها، وهو أستاذ سياسي ملون الثقافة، فيه ذكاء مفرط، وشمم متوارث، وهو في مناصبه الرفيعة ومصائبه المتوالية المخيفة منذ نصف قرن، التي تحتوي على العجب العجاب والمضحك والمبكي، واستطيع أن أتحدث عن هذا الصديق في مئات إذا لم أقل ألوف الصفحات، كما يشاركني في إعجابي به ودهشتي منه كل من عرفه وعرف عبقريته وفطنته ولماحيته، ومكره، وشهامته، وهو صالح لكل شيء وفي كل زمان ومكان، ثم هو بعد كل ذلك لما شئت إذا شاء وطرب.

الزعيم أحمد محمد نعمان دخل السجون وحمل الأغلال والقيود، ولبس العمامة، وتولى في المحاريب الإمامة، وانتصب وزيراً فعضواً لرئاسة الجمهورية، وكان مع كل هذا، الأديب والمؤانس والسمير المبدع، والشديد واللين، فإذا اشتد لا يقدر عليه أحد، وإذا لان فهو كخطوات النسيم لا يمل سامعه كلامه، ولا يحب صاحبه أن يفارقه، إلا إذا انتفض وتملص، ثم قام خارجاً لا يلوي على شيء، فهناك الإعصار المدمدم الذي لا يقف أمامه واقف، حتى إذا هدأ فهناك الوداعة والرقة والعبقرية والشمم، ولي معه ذكريات طويلة، ولغيري معه ذكريات أطول والحديث عنها مني ومنهم لا ينتهي، وله طرف ومُلح مع ملوك اليمن ومع كبار رجال الثورة في مصر ورجال السياسة في العالم لا يستثني منهم أحد المطرب والمعجب، تحياتي إليه والسلام عليه إذا ما قرأ ما ذكرته عنه وذكرني فيمن عنده، وهو جزاه الله خيراً كثيراً ما يفعل ذلك، مع من أحب وأرجو أن أكون منهم.

المجاهد الحاج أمين الحسيني

من رجالات العرب وزعماء المسلمين الذين كانوا يحرصون على أداء الحج كل عام في تلك الأيام إذا واتتهم الفرصة للقيام بذلك، سماحة الزعيم المجاهد الحاج محمد أمين الحسيني المشهور بمفتي القدس، وهو زعيم الكفاح والصراع في سبيل تحرير فلسطين منذ أكثر من سبعين عاماً حتى توفاه الله منذ بضعة عشرة سنة في بيروت، حيث دفن بها في مقابر الشهداء. وكنت واحداً من جماهير غفيرة شيعوا جنازته ووقفوا على قبره وتألموا لفقد العالم الإسلامي لرجل مثله، كان يواظب على أداء فريضة الحج منذ أواخر أيام الشريف حسين في الحجاز، ثم على مدى ثلثي القرن الحاضر من عهد الملك عبد العزيز وخلفائه، وكان زينة مواسم الحج بقامته وهامته وعمامته، كانت عمامته آخر عمائم قادة المجاهدين، وكان الزعيم الفولاذي الصلب الذي لم ينحن لعاصفة. وفي مطلع الستينيات يوم كنت مقيماً في بيروت بعد تقاعدي من العمل في الدولة، تسنى لي بعد اجتماعي به وأنا في الحكومة من أن أجدد اجتماعاتي بهذا الرجل الذي ذاع صيته وعرفه العالم بأسره مصارعاً للاستعمار والصهيونية، شريداً مضطهداً لا يستقر له قرار، فقد كنت أزوره في محلة المنصورية التي لجأ في السنوات الأخيرة إليها، له فيها دار ومكتب على كتف الوادي في الطريق من بيروت إلى "بيت مري"، وكان قد استقر به التجوال في ذلك المكان بعد عمر طويل متطاول شرَّق فيه وغرَّب، وتنقل من عاصمة إلى عاصمة، ومن قطر إلى قطر، ومن ملجأ إلى ملجأ يدافع ويكافح وينافح عما يؤمن به، وما وضعه الله أمانة في يده، وعلى أعناق سواه.

كان يجيء للحج ويحضر حفلات الشباب في منى، بل يكون صدرها، ومع أنه كان مقلاً في الخطب والكلام مكثراً في الأفعال والأعمال، فقد كان يتخير أماكن التجمعات الإسلامية الظاهرة منها والمستورة، ويجتمع بمن لقيهم ينذرهم عما تتمخض به الأيام مما حصل وكان، ومما هو حاصل وكائن، ويكاد لا يفتر وهو يتنقل من جهة إلى أخرى يبشر وينذر ويرغب ويرهب، فكنا نراه في مجالس الملوك وفي زيارات الوزراء وفي أندية الشباب وفي الطواف حول الكعبة المشرفة، ونكاد نجده في كل مكان لا يكل ولا يفتر ولا يمل، فهو منذر قوم، ومَصَبِّح قبيل، وكأنما هو المعني بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحد أصحابه الأشاوس الذي أقلق المشركين من قريش بكفاحه وصرامته وجهاده.. (وَيْل امِّهِ مِسْعر حرب لو كان معه رجال)، ومع الأسف الشديد إن الرجال قد تخلوا عن سيد الرجال محمد أمين الحسيني، فمات مقهوراً مضطهداً، إلا أنه لم تُطأطأْ عمامته ولم تنحن قامته منذ رفعهما إلى أن ضمهما ذلك القبر المجهول اليوم في "حوش الشهداء" في جنوب بيروت.

د.خالد محمد باطرفي

تعليق


مقالات صحفية

قصتي مع الزعيم اليمني النعمان - الحلقة 32
2017/2/16 09:21:46 م

وأتذكر أنه في حج عام 1939م، قدم مع بعثة الأزهر من مصر صديقنا فيما بعد وإلى اليوم الزعيم اليمني المشهور دولة الرئيس أحمد محمد نعمان... المزيد