nas.sa
2017/1/5 03:19:49 م  0     0     754   

"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

أصداء قصيدتي في العالم العربي- الحلقة 27

لقائي باللواء محمود شيت خطاب

ولابأس أن أشير أيضاً بتواضع خجول إلى حادث جرى لي بعد ذلك طبعاً بنحو خمسة وأربعين عاماً عندما كنت في بيروت في عام 1964م متقاعداً ومقيماً، أن ضرب جرس الباب "الشقة" اللتي كنت أسكنها في رأس بيروت، فلما فتحت الباب وجدت صديقاً من أصدقائي هو الأستاذ الأديب البيروتي "عز الدين بليق"، ومعه رجل طويل مهاب الهامة والقامة، فرحبت بالضيفين وأدخلتهما المجلس، ولم يخبرني صديقي الأستاذ "بليق" باسم الضيف الآخر الذي جاء به لزيارتي إلا بعد أن جلسنا فقال لي: أقدم لك معالي الوزير العراقي والعالم الإسلامي المشهور اللواء محمود شيت خطاب، وطبعاً كنت متتبعاً لأخبار الضيف الوزير يوم كان وزيراً في حكومة الثورة العراقية في سنواتها الاولى، وقد قرأت أكثر ما كان قد أصدره من مؤلفات تاريخية جليلهة لا ينافسها في مثل تأليفها إلا القليلون من علماء العرب والمسلمين المعاصرين.

فرحبت بالضيف ترحيباً قلبياً، فالتفت وقد اشتبه في اسمي وقال: الأستاذ عبدالله بلخير هل هو أنت أم والدك؟ وفوجئت بالسؤال ورأيت فيما يجب علي أن أجيبه بطرفة اكتشفت بها هذا التساؤل فقلت له: كان ذلك والدي، فقال لي: هل هو عائش أو توفي؟! فقلت له: لقد توفي! فقال لي: رحمه الله، فقد كان شاعراً عربياً قومياً ألقى علينا يوم جئنا في البعثة الكشافية العراقية إلى مكة المكرمة قصيدة عربية قومية، ألقاها على أسماعنا في مهرجان التكريم الذي أقامه لنا شباب المملكة وكنت عضواً في تلك الكشافة يومئذ، ولا أزال أتذكره وهو يرتجز بيننا قصيدته التي استهلها بـ:

)شبه الجزيرة موطني وبلادي(

وقرأ الأبيات المشار إليه آنفاً، ثم ما جاء في الترحيب بالعثة وبالعراق والعراقيين.

وكنت مشدوداً عند سماعي إلى ما أسمع من هذه الشخصية التي اشتهرت بعد ذلك بعلمها وبفضلها وتاريخها وخدمتها للأدب العربي والتاريخ الإٍسلامي، لم يقطع علينا الحديث إلا ابتسامة مختلسة صدرت من الأستاذ "بليق" أثناء حديث اللواء واسترساله فيما يذكره، فالتفت اللواء محمود خطاب إليه، وقال له: على ماذا تبتسم؟! فقال له مشيراً إلي: هو هذا وليس أبوه!.

فالتفت إلي اللواء وقال في دهشة وقد فتح ذراعيه: والله ما كنت أظن أنك أنت الذي سمعناك في مكة وحفظنا عنك هذه القصيدة، لأنني أراك لا تزال شاباً، وهو ما لم أكن أتوقعه فأنت إذن أكبر مني وزاد عليها بما لا أريد أن أذكره من الثناء.

فقلت له: أنا في تلك الحفلة كنت طالباً في المدرسة كما كنت انت طالباً وبين بعثة طلاب الكشافة العراقية، وتستطيع ان تنظر الآن إلى نفسك إذا ما وقفنا كتفاً إلى كتف، بأنك أكبر مني سناً كما أنك أكبر مني فضلاً وعلماً وجاهاً.

فانفجر يضحك مرة أخرى وهو يقول: لا تقاس الأعمار بالأجسام، ولكني أحسب أنك قد ألقيت تلك القصيدة وقد تجاوزت المرحلة الثانوية في مدارسكم.

شكرته على حفظ القصيدة، فقال لي أن رئيس بعثة الكشافة الأستاذ عبدالهادي المختار قدم إلى مديرية المعارف جميع ما قيل وأنشد من أدباء الحجاز وشعرائها، وكانت قصيدتك مع قصائد الشعراء السعوديين الآخرين وخطب الأدباء قدمها في كتاب لمديرية المعارف في بغداد، فأمرت الحكومة بطبع ذلك الكتاب وتوزيعه على المدارس، واختارت قصيدتك لأنها قومية عربية زاخرة بما نؤمن به ويؤمن به كل عربي في عالمنا العربي أن تكون بين محفوظات طلاب المدارس، وقد حفظتها  أنا بعد عودتي، إلى بغداد بعد أن سمعتها منك في مكة، وأنا أرويها في كل مناسبة.

وكانت جلسة تعززت بها صداقتنا بعد ذلك، وأخذنا نتزاور مع اللواء الطيب في تنقلاته إلى المملكة أو إلى مصر أو إلى بيروت، وربما قرأ في "الشرق الأوسط" روايتي لهذه الطرفة عنه حيث يقيم فله تحياتي واحترامي مجدداً.

لقاء في ندوة الرفاعي

وحدث مثل ذلك لي منذ بضعة أعوام عندما جئت إلى الرياض من جدة في مساء يوم الخميس وليلة الجمعة لحضور ندوة الأستاذ الأديب صديقنا عبدالعزيز الرفاعي-يرحمه الله - وكانت تضم كعادتها الكثيرين من الأدباء ومن نخبة المقيمين في الرياض والوافدين عليها من البلاد العربية، فتضفل الأستاذ الرفاعي وقدمني مرحباً إلى من كانوا في الندوة كعادته مع كل من يجيء إليها، ولم يكد يذكر اسمي ويجلسني بجانب أستاذ مهاب حتى التفت إلي وهو يقول لي : "شبه الجزيرة موطني وبلادي".

فتبسمت، وتلا بعد ذلك الأبيات المنوه عليها في أول هذا الحديث، ثم الأبيات الخاصة بالعراقيين وهو يقول لي: أنا الدكتور يوسف عز الدين الأستاذ المحاضر بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض، ورئيس المجمع الأدبي في بغداد، وقد حفظت قصيدتك وأنا طالب في قسم الثانوية من المدرسة التي كنت ملتحقاً بها في العراق.

ثم التفت إلى رافعاً صوته في صخب محبب وممالحة طريفة كعادته في مثل هذه الندوات وهو يقول لي: "عيني! أنت إذن أكبر مني سناً" وضحكنا جميعاً وبدأت الصداقة مع الدكتور عز الدين بعد ذلك قوية متينة موصولة إلى يومنا هذا.

ومما أتذكر من طرف هذه القصيدة، إنني قد ذكرت في إحدى حلقات "ما أتذكر"، أن وفداً موريتانياً قد قدم من غرب أفريقيا لزيارة الحكومة السعودية فور استقلال تلك البلاد، وطلب المعونة منها لبعض المدارس فيها.

وإنني استقبلت الوفد المذكور في مكتبي بديوان الملك سعود، وكانت المفاجأة عندما دخل إلي رئيس الوفد ومعه من معه، وألقى علي نظرة وأنا فوق مكتبي عرفني بها بأنني صديقه وزميله في طلب العلم منذ ثلاثين عاماً في الحرم المكي، ومدرسة الفلاح، وهو الأستاذ "محمود أبا" فما كاد يراني ويعلم أنني ذلك الزميل القديم حتى رفع صوته : "شبه الجزيرة موطني وبلادي" إلى آخر الأبيات الأربعة.

فوقفت مرحباً مستفسراً من هذا الدخل علينا ينشد الشعر، وكانت المفاجأة أن عرفت أنه ذلك الزميل او الصديق، ففتحت له ذراعي وأقبل علي مسلماً، وكانت مفاجأة عرفت منها أن هذا الوفد الموريتاني يرأسه ذلك الرجل الزميل والصديق الذي أخبرني أنه، كما أشرت إلى ذلك في موضعه قد أسس نحو سبعين مدرسة، بين ابتدائية وكتّاب لتحفيظ القرآن ونشر الدعوة الإسلامية، وتعليم اللغة العربية في موريتانيا وما جاورها من بعض الأقطار الافريقية العربية، وأخبرني أن قرر على التلاميذ النابهين من طلاب مدارسه أن يحفظوا هذه القصيدة.

تعليق