nas.sa
2016/12/29 04:48:55 م  0     0     788   

"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

الترحيب بالوفد العراقي في السعودية ـ الحلقة 26

في تلك الأيام أي منذ ستين عاماً لتعلقي الشديد في مطلع شبابي وفتوتي؛ بأمتي العربية وآمالي فيها وفي وحدتها، وهي الأمنية التي كانت تجول بين جوانحي وتملك علي منذ فتوتي الأولى مشاعري وإحساسي وآمالي، أثارت مشاعري بعثة الكشافة العراقية التي قدمت في ذلك الوقت من بغداد الى مكة في موكب عابر للجزيرة من شمالها، إلى قلبها في الرياض، ثم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، كانت تتألف تلك البعثة من نحو خمسين طالباً كشافاً عراقياً. طلبت وزارة المعارف العراقية من الملك عبدالعزيز السماح لهم بأن يؤدوا فريضة الحج ويزوروا الاماكن المقدسة، وأن يمروا بالرياض في طريقهم الى الحرمين للسلام على جلالته والتعرف على البلاد.

فكان ترحيب الملك عبدالعزيز بهذه البادرة وبهذه البعثة ترحيبا قلبيا وشعبيا ورسميا، رحب بهم منذ توجههم من العراق، وأمر جميع المراكز الحدودية الشمالية التي سيمرون عليها بسياراتهم أن يحتفوا بهم ويرحبوا بمقدمهم، وان يبذلوا لهم كل ما يجب من الضيافة والتأهيل والترحيب والإكرام، فكانت بعثتهم موكبا عربيا قوميا أثار المشاعر في كل بلدة نزلوا فيها حتى وصلوا العاصمة الرياض، فاستقبلهم الملك عبدالعزيز وأنزلهم في ضيافته، وكان ترحيبه بهم وهم في الزي الكشفي الرسمي ترحيباً أبويّا في غاية من المحبة والعطف والإكرام.

جلسوا في مجلس الملك نحو ساعتين، وأنشدوا مجموعة من الأناشيد العربية الحماسية يتغنون فيها بأمجاد العرب وبعهود الأجداد، ويتجولون في شوارع الرياض وهم يهزجون وينشدون، فكان الناس يستقبلونهم بترحيب كبير، فقد كانت القلوب يومئذ قلوباً عربية اسلامية على فطرتها وعلى أخلاقها المتوارثة، وكان الناس في بلاد العرب كلها يتجاوبون ويتآخون ويبتهجون فرحا واستبشارا لمثل هذه الظواهر التي تجيء بين بلدين عريقين مثل العراق والمملكة العربية السعودية.

وكما احتفلنا بهذه البعثة الكشفية في الرياض، وصلت بعد ذلك في موكبها إلى مكة، وكان الشباب من الأدباء والشعراء والأساتذة وتلاميذ المدارس قد بُلغوا بمجيء البعثة، وكان الامير فيصل نائب الملك في الحجاز يرعى الاحتفالات التي أقيمت لهؤلاء الشباب العراقيين الذين جاءوا من بلادهم وعاصمة الخلافة فيها بغداد ، إلى بلادهم الأخرى المجاورة وإلى عاصمتي الإسلام بأسره مكة المكرمة والمدينة المنورة.

ولم يبق أحد من الرسميين في الدولة ولا من رجال العلم والأدب والشعر في البلاد إلا شارك مشاركة روحية فائضة بالترحيب بهذه البعثة.

وشارك كبار الحجاج الذين وفدوا إلى مكة يومئذ لأداء فريضة الحج في الاحتفال بهذه البعثة، وخرجت المدارس كلها للاشتراك في حفلات تكريم هؤلاء الأشبال البواسل.

حفلات شعرية وأدبية للترحيب بالبعثة

شارك الأدباء والشعراء في المملكة يومئذ في حفلات متوالية في مكة وفي منى أثناء الحج، ثم في المدينة عندما وصلت البعثة بعد ذلك إليها، وفي كبرى الحفلات التي اقيمت في مكة ألقى عدد من العلماء والشعراء والأدباء تحياتهم العاطرة، فكان أبرز من تولى الترحيب من رجالات العرب يومئذ الأديب العالِم المصري الشهير الأستاذ محمد الغنيمي التفتازاني، وكان بين حجاج مصر يومئذ، ومن أبعد أدباء مصر صيتاً وذكراً وزعامة أدبية، وكان من بينهم وفد سوري يرأسه الأستاذ جميل بك مردم، والزعيم السوري المشهور بزعيم الشباب "فخري البارودي"، وبينهم الشاعر الشامي المشهور الأستاذ شفيق جبري.

وبين الشعراء الذين ألقوا قصائد ترحيب في تلك الحفلة الأستاذ المرحوم أحمد الغزاوي، وألقى قصيدة رائعة استهلها بقوله:

نهض الشباب إلى الشباب // أرأيت مخضر القباب

وتغنى بعد ذلك في قصيدته بالعروبة وحيا أبناء الرشيد إلى عواصم العالم العربي، ونسي القاهرة عاصمة مصر، فلم يكد ينتهي الغزواني حتى كان التفتازاني يتململ في كرسيه حنقا ومغاضبا لشاعرنا الغزواني، مرتجلاً بضعة أبيات قام وألقاها أمام الجمهور، فكانت من أجمل ما ألهب حماس السامعين، ودّوى المكان بالتصفيق والهتاف لمصر العروبة، فقد خاطب الغزاوي بتلك الأبيات المرتجلة التي لا تحضرني الآن بعد مرور أكثر من نصف قرن، لكن بقي من أبياتها ما أظن أنه:

وذكرت دجلة والفرات // إلى الينابيع العذاب

ونسيت أن "النيل" // سوف يناقش اليوم الحساب

فالتفت الناس إلى الأستاذ التفتازاني ـ وهو يشير إلى الغزاوي بعصاه التي اشتهر بحملها وهو في جبته الأزهرية وأردانه المصرية ـ يحيونه، وقد علا التصفيق له، وكان أول من توجه إليه ومعتذرا هو شاعرنا الغزاوي الملام منه على ما نسي.

ثم جاء دوري فتقدمت إلى الحفل وهو في ذروة حماسته لما سمع ورأى ما كان يدور حول العرب والعروبة في ذلك المهرجان، وبدأت قصيدتي بتحية لبعثة الكشافة العربية، فرفعت عقيرتي في فتوة متحمسة عفوية تفيض بها أنفاسي وأنا أرتجز بصوتٍ عالٍ:

شبه الجزيرة موطني وبلادي // من "حضر موت" إلى ربى "بغداد"

أشدو بذكراها وأهتف باسمها // في كل جمع حافل أو نادي

منها خلقت وفي سبيل حياتها // سعيي وفي إسعادها إسعادي

كل له فيمن أحب صبابة // وصبابتي في أمتي وبلادي

فضج المحتفون بهذه التحية من فتى شاب لا تزال ملامح الفتوة عليه غضة طرية، وصاح زعيم الشباب السوري فخري بك البارودي، وقد اهتز لهذه الأنفاس يشمها في بطحاء مكة وهو يصيح أعد.. أعد.. أعد.. وكان قد وقف على كرسيه مختلجاً متأثرا متحمسا، ذلك أن الشاعر البارودي هو صاحب الأنشودة الوطنية العربية المشابهة لأنفاس قصيدتي، والتي يبدأها بما شاع وذاع بعد ذلك وملأ الأسماع ولم أكن قد سمعتها يومئذ:

بلاد العرب أوطاني // من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمن // إلى مصر فتطوان

وأكملت قصيدتي ومن أبياتها بعد ذلك:

يا مرحباً ببني العراق ومن بهم // يعتز كل موحد بالضاد

ببني الذي ملك البلاد بأسرها // "هارون" رافع راية الأمجاد

بمحرري أوطانهم بسيوفهم // والقاطعين بها عرى الإفساد

مد "العراق" إلى الحجاز يمينه // فمشى "المقام" مرحبا متهادي

وترجلت "صنعاء" وقام مرحبا // "بردى" يصفق بين دوح الوادي

إلى آخر القصيدة التي حييت فيها الشعب العراقي، ونوهت بالملكين عبدالعزيز وغازي ملك العراق، وأكبرت هذه البادرة العظيمة التي يجيئون فيها وفدا عربيا من عاصمة الخلافة العباسية إلى منبع العروبة والإسلام، فكان وقعها بين الجمهور وهو كما قلنا مؤلف من رجالات مصر وسوريا والعراق وغيرهم من رؤساء البعثات الاسلامية التي جاءت للحج، أخجل أن أصفه بما يجب أن يوصف به في مثل تلك الأجواء القومية العربية النقية الطاهرة.

وليسمح لي القراء مرة أخرى معتذراً عن الحديث عن نفسي ان أقول أن هذه القصيدة هي في نظري من القصائد ذات الحظوظ، والتي كان لها حظ كبير في الانتشار يومئذ، فقد نشرتها الصحف وحملتها البعثة العراقية عندما عادت إلى بغداد، وقررتها مديرية المعارف في العراق لطلاب المدارس والكليات فحفظوها وتغنوا بها، وأذكر من باب الطرف إنني لقيت بعضاً ممن عرفتهم من إخواننا العراقيين الذين كانوا طلاباً في تلك الأيام في المدارس، فكانت المفاجأة لي انهم يحفظون هذه القصيدة لأنها كانت فرضاً مفروضاً عليهم في محفوظاتهم المدرسية.

تعليق


مقالات صحفية

لم أشعر بالندم على ترك الرياضة - الحلقة 29
2017/1/19 04:40:33 م

تسلمت من مدير تلك الكلية المستر "ليسالي ليفت" أوراق التحاقي بالصف الأول وأوراق الكتب المقررة على مثلي، التي سأتسلمها من مكتبة الكلية... المزيد