nas.sa
2016/12/15 07:06:45 م  0     1     1189   

"ناس" تنشر مذكرات عبدالله بلخير.. بقلم د.خالد باطرفي

الملك عبدالعزيز أمر بعدم تنكيس العلم السعودي- الحلقة 24

زيارتي الطارئة للمفوضية السعودية

سمعت مجموعة من الشباب حولي يصيحون: بأن المفوضية السعودية لم تنكس علمها، كما فعلت المفوضيات الأجنبية كلها في ذلك الصباح، للتعبير عن الحزن في وفاة ملك العراق، فقال للقائل بعض من حوله: كيف هذا؟ فقال لهم: أنا آيب الآن من محلة "الوزيرية" حيث المفوضية السعودية ورأيت أن سارية العلم خالية من علمها، ومن لم يصدق فليذهب الآن ليرى ما رأيت، وثارت وطنيتي وحماستي وقلت لا حاجة لي بالعودة للغذاء، ولا بد أن ابحث عن وسيل تحملني الى المفوضية السعودية فقد علمنا أنها تقع في حي الوزيرية، مما سمعته من ذلك الشاب الذي كان يتكلم بصوت عال بين الجماهير حتى كاد أن يثيرهم، وقلت: لا بد من إخبار من في المفوضية بما سمعت خوفا من غضب الجماهير الثائرة، فقد كانت إشاعات في صباح ذلك اليوم بأن مصرع الملك غازي كان مدبرا من الإنجليز، حتى إن الجماهير بعد ذلك في الموصل هجمت على القنصلية البريطانية وقتلت قنصلها.

انسللت من بين الجماهير الى احد الشوارع الفرعية، أبحث عن وسيلة استطيع فيها أن أصل الى المفوضية السعودية، وأنا متوجس أنه قد يحدث شيء، ويجب أن يستعدوا ويعلموه، ثم أريد أن اعرف لماذا لم يرفع العلم السعودي منكسا كما جرت العادات التي اعرفها في مثل هذه الأحداث، ووجدت عربانه أي عربية خيل سائرة في الشارع الذي وصلت اليه، فصحت بصاحبها كما سمعت قبل ذلك من العراقيين "عربنجي"، فجاءني من الجواب "عيني" فأشرت إليه، ووثبت الى عربته وقلت له: إلى المفوضية السعودية في الوزيرية، فانطلق بي حتى توقفت أمام بابها ودفعت له الأجرة التي طلب ودخلت الى حديقتها حتى ولجت بابها الذي كان مفتوحا، واستقبلني "فراش" بالمفوضية مرحبا بي، وأنا في زيي المدرسي، يسالني عن ما اريد، فقلت له: اريد مقابلة الوزير المفوض السعودي، وقال لي: إذا كنت لا تعرف اسمه فلماذا تريد أن تقابله أخبرني؟ فتفضل وقابل السكرتير، فقلت له: لا.. أنا اريد ان اقابل الوزير المفوض، فرد علي مستفسرا عن اسمه ليحفظه فقلت له وأضفت بأني سعودي، وفتح باب مكتب الوزير المفوض وأخبره بأن بالباب شابا سعوديا ويريد مقابلتك، قال له :دعه يدخل، فدخلت، فإذا بمعالي السيد حمزة غوث هو الوزير يومئذ، وكان قد سبق لي ان عرفت اسمه وعرفت انه من رجال الملك عبدالعزيز، فسلمت عليه ورحب بي واشار الى الكرسي المجاور له أن اجلس، والتفت الي يقول: هل انت عبدالله بلخير، الشاعر الذي تنشر جرائدنا في الحجاز أشعاره؟ فقلت نعم، فرحب بي ثم قال: وما الذي جاء بك "اليوم" اليوم في بغداد، كأنما يلمح الى الحادث الذي علم في الصباح، فأخبرته بأنني طالب في الجامعة ببيروت، وقد دعتني جمعية العروة الوثقى بها لأكون عضوا بين أعضاء طلاب الاقطار العربية الذين دعتهم وزارة المعارف العراقية لزيارة العراق، وإننا وصلنا البارحة، فقال لي: نحن مطلعون على جميع أخبار بعثتكم من الصحف البغدادية، التي كانت تنشر أخباركم، ثم أشار إلى إحدى الجرائد على مكتبه وهي صادرة في صباح ذلك اليوم، وقد نشر فيها أيضا برنامج البعثة لذلك اليوم، وأنه يستهل بزيارة البلاط الملكي للسلام على الملك غازي بن فيصل.

لماذا لم ينكس العلم السعودي

قلت له بأنني جئتك الآن للتشرف بالسلام عليك واداء هذا الواجب كسعودي، ولأنني قد مشيت اليوم في مواكب شارع الرشيد فسمعت من تحدث الى الناس بصوت عال: بأن المفوضية السعودية لم تعلن حدادها بتنكيس علمها على سارية المفوضية، وأن من استمعوا منه ذلك استنكروه، فقال لهم تستطيعون أن تذهبوا لحي الوزيرية لتروا المفوضية، وأن علمها غير منشور ولا منكس، فرأيت من وطنيتي وواجبي أن انسل من بين الجماهير وابادر بالمجيء اليكم لأخبركم بما سمعت لمعلوميتكم، وانتم تعلمون ما لا نعلم على اني كنت عازما ان اجد في هذين اليومين فرصة اجيء لزيارتكم والتعرف عليكم.

فابتسم السيد حمزة وقد رآني وجلا، وقال لي : اهدأ يا ابني، إن علمنا لا يرفع منكسا، في أي حادث من الاحداث، وزاد عليها، حتى لا سمح الله لو مات الملك عبدالعزيز نفسه، فهذه التعليمات قد صدرت الينا من الملك عبدالعزيز يوم مات الملك جورج الخامس، ما الذي نفعل؟ فبلغت الممثليات السعوديات كلها في الخارج بأمر جلالته أن العلم السعودي يحمل شهادة التوحيد، فلا ينكس لموت أحد، ولا يرفع لمولد احد، وحدادنا في مثل هذه الاوقات ألا نرفع العلم حتى لا ننكسه، وهذا موقفنا اليوم من هذا الحدث الحزين الذي أحزن الملك عبدالعزيز بدون شك، وتلقيت منه برقية الآن، بأن أقدم العزاء الى من يستحقه وان اشارك في الجنازة، كما أنه قد أبرق بدوره إلى الحكومة العراقية، يبلغهم أسفه وحزنه مما سمع، حتى يعلن اليوم، او غدا المناداة باسم ابنه فيصل ومجلس الوصاية عليه، فقد كان في عمر اقل من العاشرة.

ثم التفت علي باسما وقال: انا اشكرك اولا على وطنيتك، ومسرور انك زرتنا، وعندما قلت: انني سأعود الآن الى مقر البعثة التي جئت معها؟ قال: هذا محال ستتغدى معي، وبعد ذلك تعود الى دار الضيافة، ثم تزورني في كل يوم، ثم اخذ يستفسر مني عن كيف التحقت بالجامعة في بيروت، وكيف جئت عضوا في بعثة العروة الوثقى، وماذا ستفعل البعثة الآن، فقلت له: إن رؤساءها يستشيرون وزارة المعارف العراقية فيما تراه.

وتغدينا مع الوزير السعودي لمرحوم السيد حمزة غوث، الذي لم ينس لي تلك الزيارة ولا اسبابها، فإنه قد عاد بعد ذلك من بغداد ليكون كما كان مستشارا للملك عبدالعزيز في الرياض، عندما احتاج الملك عبدالعزيز بعد ذلك بسنوات الى سكرتير شاب يصلح مسجلا للاخبار والانباء من الاذاعات في الشعبة السياسية بديوان جلالته، سئل في ليلة من الليالي من حوله المستشارين: هل تعلمون لنا موظفا، يصلح للقيام بمثل هذه المهمة؟، فقال له المرحوم السيد حمزة غوث صاحبنا في بغداد، إنه يوجد في ديوان الشيخ عبدالله السليمان وزير المالية شاب اسمه عبدالله بلخير، يصلح لمثل هذا العمل الذي تسالون عنه جلالتكم، فأبرق الملك في الحال الى وزير المالية في الطائف بأن يبعثني في الحال الى الرياض. وكنت في منتصف الطريق بين الطائف والرياض لأتولى هذا العمل، فوصلت وعينت وبقيت حول جلالته اقوم بمثل هذا العمل وغيره من الاعمال.

وهكذا كانت زيارتي تلك لبغداد سببا لمعرفتي لمن كان سببا لتلك السعادة العظمى التي نلتها، عندما اصبحت بعد ذلك اقرب المقربين للملك عبدالعزيز على حداثة سني وبداية شبابي.

وكم أتمنى لشباب اجيالنا الصاعدة اليوم ان يتعرفوا على الرجال ممكن يكبرونهم سنا، ويستمعوا اليهم ويحضروا مجالسهم، ويستفيدون من المعلومات التي يسمعونها، واخبار الحوادث التي يرونها، فتزداد معارفهم، وتتفتق اذهانهم بالمعرفة والثقافة والوعي، وسيستفيدون في حياتهم معنويا وعمليا الكثير من تلك المعارف التي يلتقطونها، من معرفة الرجال والتعرف عليهم والسعي الى زيارتهم والحرص على احاديثهم، وسيجمعون هذه المعلومات، ويكتسبونها ليضيفوها بعد ذلك الى ثقافتهم الجامعية ومعلوماتهم الغزيرة التي اكتسبوها بدورهم في تحصيلهم العلمي بين جدران المدارس والجامعات والمعاهد، فيكون في كل ذلك خير يكتسبونه ويتجملون به فيما يعلمون، ويكتبون ويؤلفون.

تعليق